خصخصة السلطة الفلسطينية

حجم الخط
شكّلت انتفاضة الأقصى قبل ثلاثة عشر عاماً استفتاءً شعبياً وإيذاناً وطنياً بأن اتفاقات أوسلو والسلام الموعود والدولة الفلسطينية العتيدة هي أضغاث أحلام، فأطلقت بديلها الكفاحي الذي قاد لتفعيل قانون - جدلية - الاحتلال والمقاومة من جديد، وبعث الحياة في أوصال الجسم الفلسطيني الممتد بين النهر والبحر وداخل الوطن وخارجه، بعد أن تراءى للبعض أنه لا يقوى على النهوض، فأثمرت هروباً من المستوطنات في الضفة الغربية وانسحاب شارون ومستوطناته وإعادة انتشار جيشه من جانب واحد من داخل القطاع إلى محيطه، في محاولة يائسة منه لإعادة تاريخنا إلى الخلف. راهن البعض بعد رحيل الرئيس عرفات في عام 2004 بأن مردود الانتفاضة و"عسكرتها" قياساً بالثمن المدفوع، لا ولن يضاهي مردود العودة للمفاوضات وللراعي الأمريكي للحصول على الدولة الفلسطينية، وها نحن نشهد اليوم بطلان هذا الرهان، حيث تدحض الحقائق المروعة المتشكلة على الأرض كل الادعاءات الوهمية والمزاعم الزائفة لخيار أوسلو وأنصاره العرب. يجسد الاستيطان المنفلت من عقاله وارهاب الدولة والمستوطنين وسياسة التطهير العرقي وتهويد القدس ومخططات التقاسم المكاني والزماني للمسجد الأقصى على طريق بناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، تحت غطاء المفاوضات السرية القسرية المخادعة بالرعاية والمرجعية الأمريكية الوسيلة المعتمدة راهناً لتعبيد الاعتراف "بإسرائيل دولة للشعب اليهودي" على انقاض حق العودة والثوابت الوطنية والرواية الفلسطينية والعربية والامن القومي. وما المليارات الأربع التي تلوح بها "المبادرة الاقتصادية" الأمريكية- وريثة مشروع "بناء مؤسسات الدولة" تحت الاحتلال، والرامية لاستخدام هذه الأموال كرافعة لاستثمارات القطاع الخاص في ثمان من الميادين الاقتصادية الفلسطينية الرئيسية وترسيخ سياسة الاقتصاد الريعي، وتوفير البيئة والحوافز الفريدة لجذب واستدخال الشركات متعددة الجنسيات، سوى الوسيلة لخصخصة السلطة الفلسطينية والقرار الوطني وتسليع القضية ومكونات منظمة التحرير والمقامرة بالرأسمال الوطني التحرري وتحويله إلى أسهم في البورصات المحلية والإقليمية والدولية،وهو بمثابة الأسلوب الأحدث والمبتكر لاستبدال دور قوى الثورة السياسي والسلطة الفلسطينية بوصفها المشغل الأكبر للعائلات الفلسطينية والمنظم لسوق العمالة الفلسطينية في مناطق 48، بالقطاع الخاص ورجال أعمال السلام الاقتصادي الكومبرادوري التطبيعي التابع الضالعين في تشبيك الاقتصاد المحلي والموارد الوطنية باقتصاد الاحتلال، وفرض سياسة الأمر الواقع، بالقبول بمحمية إسرائيلية تحت سطوة امن وجيش الاحتلال تنظم شبكة التجمعات السكانية خلف الجدار في الضفة الغربية،يسمونها الدولة الفلسطينية في إطار مشروع الحل الأمريكي المسمى بحل الدولتين المزعوم. يوماً وراء يوم تتراكم المعاناة والسخط الشعبي ومبررات الرفض والتمرد على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية المزرية، ومعها مقدمات وإرهاصات الانتفاضة الثالثة الوريثة الشرعية لسابقاتها والجديدة نوعياً التي تلوح في الأفق، حيث نشهد تفاقماً متسارعاً لمجموع أسباب انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، في وقت أصبحت فيه أوضاع ملايين الفلسطينيين على غير صعيد، داخل الوطن وفي مخيمات الشتات أسوأ بما لا يقاس منذ توقيع اتفاق أوسلو قبل عشرين عاماً. دون انتظار للواهمين، هل تندلع أفقياً على حين غرة انتفاضة جديدة عنوانها تجسيد الاعتراف الأممي بدولة فلسطين على الأرض دون شروط، وفرض وحدة المقاومة الشعبية الشاملة في وجه الاحتلال والانقسام، دون أن يقودها تنظيم أو زعيم أو إطار وطني جامع منظم ودون إجماع فلسطيني لأول مرة، لا بل وبالضد من موقف شرائح اجتماعية وقوى ناشئة باتت مصالحها تتناقض مع اندلاعها؟ فتعيد القرار الوطني لجموع الشعب وتضفي الشرعية عليه باعتبار الشعب هو صاحب القرار ومصدر الشرعية وتنهي التفتيت والاختطاف القائم للقرار الوطني دون وجه حق سواء عبر سلطتي الأمر الواقع في غزة ورام الله او اغتصاب القرار في منظمة التحرير. وهل تدفع خطورة هذا الخيار، الذي يجعل من هذه الانتفاضة المقبلة والمتدحرجة عرضة لخطر استفراد الاحتلال والغدر بها، وشتى الاحتمالات والنهايات بما فيها حروب داحس والغبراء، طلائع الشعب الفلسطيني ونضاله التحرري لرفع رايتها والاستعداد الحقيقي والجاد لقيادتها،وبحركتي فتح وحماس تحديداً للإصغاء لندائها قبل فوات الأوان؟ فيهتديا إلى الحقيقة الساطعة والحارقة بانتهاء عصر التفرد بقيادة أو تمثيل الشعب الفلسطيني، فننتصر أخيراً للانتفاضة في سباقها المحموم مع خصخصة السلطة والقضية الفلسطينية. وهو أمر يتطلب اليوم من مثقفي شعبنا وكوادره السياسية وقواعد القوى الوطنية والإسلامية وقواعد حركتي فتح وحماس أولاً الكف عن اقتفاء اثر الذئب الذي يقف أمامنا لا بل يمسك بخناقنا، والانتقال لفرض الوحدة الكفاحية الشعبية والسياسية الميدانية في مقاومة الاحتلال، ومواصلة وتوسيع الحراك الشعبي داخل الوطن وخارجه دون تردد تحت شعار إسقاط أوسلو، من أجل الوقف الفوري للمفاوضات وإنهاء الانقسام والتهدئة والتنسيق الأمني وترتيب البيت الفلسطيني على أساس إستراتيجية تحررية وطنية ديمقراطية بديلة، سبيلاً لإنقاذ القضية الوطنية ووضعها من جديد على رأس جدول الأعمال الإقليمي والدولي باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، بعد أن نجحت أو تكاد دولة الاحتلال التي توصف بمصلحة أمريكا الإستراتيجية والتعبير المكثف عن سياستها في المنطقة، في طمس قضية فلسطين في مستنقع أوسلو، وباستبدالها بما يسمى الملف النووي الإيراني والصراع السني الشيعي، في مرحلة انتقالية تتشكل في غيابنا خلالها معادلات جيوسياسية إقليمية ودولية بديلة، لعالم جديد على أنقاض عالم عرفناه بعالم وحيد القطب. • عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رئيس تحرير مجلة الهدف.