على مر التاريخ، خاض العقل صراعا مفتوحاً مع الهمجية والظلام، حرب شرسة للاستحواذ على العالم، سقطت على الطريق فيها قلاع وقصور، حصون وخنادق، والأهم رؤوس ومكتبات، رؤوس اجتزت ومكتبات أحرقت، وطرابلس كأي مدينة في شرقنا العربي هي ساحة مفتوحة لهذا الصراع، وتدفع حصتها من ضريبة المقاومة.
ومكتبة (السائح) الأثرية ليست المكتبة الوحيدة أو الأولى كما لن تكون الأخيرة، في هذه الحرب القذرة، التي تستهدف نور العقل، كما تستهدف جوهر الإيمان.
ألم تكن أولى كلمات الله لرسوله " اقرأ"؟ ألم يقل الرسول" اطلب العلم ولو في الصين"؟ وما أدراك ما كانت الصين في عهد الاسلام الأول، ألم تكن أول مدرسة نظامية في تاريخ الاسلام هي مدرسة أسرى بدر التي كان معلموها من مشركي قريش الأسرى؟
هذه الأسئلة كلها رهن بمن دبر وأمر ونفذ وقبلهم من أفتى بحريق المكتبة أو غيرها من دور العلم والتنوير.
عام 2002 كنت في وفد إلى بغداد ضمن مؤتمر تضامني ضد الحصار، صحبة رفيقي وصديقي الروائي مروان عبد العال، وكنت واياه نجوب بغداد وبالذات شارع الرشيد والمتنبي لشراء الكتب ولقاء شخصيات نادرة هناك في المجتمع الثقافي البغدادي، ونحن نسير على ضفاف دجلة، تذكرت حديث أحد الرفاق، حيث روى لي أنه عندما كان في بغداد يدرس العلوم السياسية في جامعتها، وكان طالبا صغيرا قد غادر المراهقة للتو، يحلو له المشي على ضفاف دجلة، وذات ليلة مقمرة، كان صحبة حسناء بغدادية، سألته برومانسية عما يخطر في باله على ضفاف دجلة وهما معا، فأجابها بدون تفكير: بالمغول والكتب التي أغرقت في النهر!
في تلك الأيام ومن ضمن ما اشترينا من كتب، يقول لي العزيز مروان، إنه اشترى طبعة قديمة لكتاب (الفكر والحرب) لجان غيتون، وبعدها، احترق المتنبي كما حرقت بغداد تحت سنابك المغول الجدد ونجا (الفكر والحرب) محمولاً إلى نهر البارد. وأثناء الحرب على نهر البارد، المخيم الشهيد، اختطافه ثم اقتحامه مظلوما في المرتين، أحرقت مكتبة مروان وبفعل فاعل، بالزيت المحروق وليس بقذيفة طائشة، مرة أخرى الناجي الوحيد من مكتبة مروان كان كتاب (الفكر والحرب) " لأن جندياً أخذه إلى المتراس ليقرأه ربما" يعلق مروان، احترقت كتب شارع المتنبي وبقي كتاب (الفكر والحرب) واحترقت مكتبة مروان، ونجا الكتاب للمرة الثانية.
في الحرب ذاتها احترقت مكتبة الكرمل التي وقف وراءها العزيز نضال عبد العال ورفاق آخرون، وأيضابفعل فاعل، كأن القاتل يستكثر على أبناء المخيم القراءة ويستكثر على المخيم مكانة حازها بجدارة كمركز اشعاع ثقافي هام.
حكى لي نضال، قصة المكتبة، وكيف أنه عندما تأسست مكتبة الكرمل في مخيم نهر البارد، دعي الأب ابراهيم سروج إلى الافتتاح، وكان معجباً بوهج المخيم الثقافي واشعاعه، وقال"إن في المخيم قراء أكثر من أكبر المدن العربية" واقترح اقامة معرض للكتاب تبرع في نهايته بكل الكتب المتبقية لمكتبة الكرمل ثم ألحقها بعشرة صناديق أخرى، مئات الكتب شكلت جوهر مكتبة (الكرمل) التي صارت ابنة لمكتبة (السائح).
حدثني نضال أنه بعد انتهاء الحرب والسماح بدخول المخيم، عادوا ليتفقدوا المكتبة وانقاذ ما يمكن انقاذه فوجدوا كومة من بقايا الكتب تصل إلى السقف، أحرقت مكتبة الكرمل أيضا بالزيت المحروق وبيد آثمة، يعلق نضال "أصر الفاعل على ألا يترك أي أثر لكتاب ينبض"، ومع مكتبة الكرمل، أحرقت ثلاث مكتبات أخرى في مخيم نهر البارد، وأيضا بذات اليد الآثمة وجميعها من بنات مكتبة (السائح)
ليلة 3/1/2014 كانت مكتبة (السائح) على موعد مع مصير مماثل، اليد الآثمة تسللت مرة أخرى في ظلام حاكته فتنة بشعة وعقول مغلقة، وقبل ذلك ووراءه كراهية متصلبة ظلامية.
مكتبة (السائح) والواقعة قرب الجامع المنصوري الكبير في طرابلس، تأسست عام 1972 على يد شاب ماركسي، أصبح لاحقا كاهن رعية الروم الأرثوذكس، ابراهيم سروج (أبو جهاد) رجل الدين الماركسي الأرثوذكسي اللبناني، فلسطيني الهوى والانتماء، العضو القديم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو لجنة الدفاع عن الأسير جورج ابراهيم عبد الله، دارس فلسفة اللاهوت، معارض الاكليروس، المثقف اللبق المنفتح صديق الجميع، وكانت المكتبة تحتل مبنى أثريا كان (مدرسة الأمريكان) في العهد العثماني، وكانت قبلة المثقفينوالمفكرين والطلبة مع أكثر من 85 ألف كتاب كثير منها نادر الوجود.
فسر حرق المكتبة بأحد احتمالين، استثماري يعكس رغبة أصحاب البناء في طرد الأب سروج ومكتبته تمهيدا لهدم المبنى واشادة مبنى عصري استثماري مكانه وهذا ظلام من نوع آخر، خطة عارضها الأب سروج على الدوام، و تهديدات سلفية رجحت لاحقا، من سلفيين ظلاميين لوجود كتب اعتبروها مسيئة لعقيدتهم أو لعقيدة الاسلام كما يفهمونها.
كان الأب على علاقة طيبة مع المخيم، نتجت عن ارتباط تاريخي بالجبهة، ويحدثني مروان عبد العال عن أنه كان يصحبهم تلك الأزمنة في زيارات إلى القرى المسيحية حيث كان يلقي محاضرات عن فلسطين وقضيتها. وعشية الحرب الأهلية، شكل حركة الشباب الأرثوذكسي الماركسي، ثم أصبح راع للكنيسة هناك، وفي علاقة طبيعية وبديهية مع فلسطين والمخيمات.
أي ظلام يحيك مثل هذه المؤامرة، أي حقد على الكتب مهما كان محتواها، يدفع لارتكاب هذه الجرائم؟ كما ذكرت أعلاه، إنها الحرب المفتوحة بين التنوير والظلام، حرب سيحشد فيها الطرفان كل ما يملكان من أسلحة، والمؤسف أن الظلام بطبيعته لا يعرف لغة الحوار ولايجيد إلا القتل والحرق، لكن الخبر السار أنه يهزم دائما وينتصر النور في النهاية على كل ما يعكر صفو تقدم البشرية وحريتها.