ماذا يُخبئ عام 2012 لعرب الداخل؟

حجم الخط
بعد أيام تغيب شمس عام 2011. ويلاحظ المتتبع لسياسات حكومات إسرائيل تجاه الأقلية الفلسطينية في إسرائيل أن هذا العام مثل تغييرًا استراتيجيًا عميقًا في السياسة الحكومية المتبعة في التعامل مع المواطنين العرب. والسؤال ماذا يخبئ لنا العام 2012؟ إن استمرار الهجوم على الأقلية الفلسطينية بمؤسساتها، أحزابها وقيادتها في السنوات الأخيرة، يتوج الآن بهجوم على بعض مؤسسات الدولة، كلب الحراسة لما تبقى من اثنوقراطية الدولة الصهيونية. الهجوم على مؤسسة القضاء العليا، من خلال تعيين القضاة، وعلى مؤسسات المجتمع المدني وخاصة منظمات حقوق الإنسان هدفه الأول ضرب الشريحة الأضعف في إسرائيل وهي المواطنون العرب. إن تقليص الحيز الديمقراطي الإسرائيلي سيؤدي حتما إلى تقليص حدود النضال السياسي والاجتماعي للأقلية الفلسطينية في إسرائيل. أخطر «إصلاحات» حكومة نتنياهو هي التغييرات في سياسة الأراضي والمؤسسة التي تديرها في إسرائيل. ولا تتورع الحكومة الإسرائيلية عن سن القوانين لتهويد المكان والحيز الفلسطيني من خلال إحكام قبضتها على غالبية المساحة الجغرافية للدولة. دولة إسرائيل، من خلال أذرعها المختلفة، تسيطر اليوم على أكثر من 93% من مساحتها. هناك ثلاثة دول في العالم فقط تسيطر على هذا الكم الهائل من أراضيها، هي كوريا الشمالية، الصين وكوبا. هذه الدول تعرف نفسها على إنها دول اشتراكية والبعد الإثني غير قائم فيها مثل ما هو الأمر في إسرائيل. إستراتيجية إسرائيل الداخلية هي خليط من خطاب ديمغرافي مشوه وعقلية عسكرية خطيرة. وترى أن خروجها من أزمتها يحتم عليها الهروب إلى الأمام، والعمل على زيادة تهويدها على حساب مواطنيها العرب. وتعتبر الهجمة الجديدة والخطيرة على أراضي عرب النقب وإرغامهم على السكن في البلدات القائمة جزءا من مخطط لتطبيق هذه الإستراتيجية. برافر والدفع نحو الهاوية السياسة الإسرائيلية تجاه عرب النقب والمتمثلة بتقرير برافر هي دفعة أخرى بالمواطنين العرب نحو الهاوية. ففي الأسابيع القادمة سيتم تقديم اقتراح قانون بموجبه سيتم مصادرة أكثر من 80% من أراضي عرب النقب. لقد استعملت حكومات إسرائيل منذ تأسيسها كل الوسائل لحصار وتطويق وتهميش عرب النقب. هذه الوسائل شملت: مصادرة الأراضي، هدم البيوت، اقتلاع الأشجار، إبادة المحاصيل الزراعية، منع المياه والخدمات الصحية عن سكان القرى غير المعترف بها. ولتنفيذ سياساتها في النقب فقد أغلقت مناطق واسعة وأعلنت عنها مناطق عسكرية. أما مناطق أخرى فقد تم تحريشها. هذا بالإضافة إلى إقامة 60 مستوطنة أفراد، تسكن لك منها عائلة واحدة، والإعلان الآن عن إقامة عشر بلدات يهودية جديدة في النقب. من جهة أخرى ومن خلال رؤية عرب النقب مشكلة أمنية فإن الحكومة تنصب جنرالات مع ماض عسكري "لحل" قضايا عرب النقب. فلا حاجة للإستراتيجية القديمة والإعلان عن حكم عسكري على المواطنين العرب ما دامت الديمقراطية الإسرائيلية تسمح بذلك، والجنرالات العاطلون عن العمل كثيرون. ومن هؤلاء الجنرالات برافر نفسه، الجنرال عميدرور رئيس مجلس الأمن القومي، يهودا باخر رئيس ما يسمى "سلطة توطين البدو"، والآن جاء دور الجنرال دورون الموغ- القائد السابق للمنطقة الجنوبية والذي عين مسؤولا عن تنفيذ مخطط برافر على الأرض. إستراتيجية إسرائيل الجديدة هي فتح ملف النكبة – على طريقتها- وإنهاؤه من خلال الإجهاز على أراضي مهجري الداخل. أن احد اخطر البنود في تقرير برافر هو الموقف من ادعاءات الملكية لعرب النقب في النقب الشمالي والغربي. فينص البند العاشر في التقرير والذي أضافه الجنرال يعقوب عميدرور رئيس مجلس الأمن القومي في إسرائيل على دفع تعويضات مادية فقط لعرب النقب مقابل التنازل النهائي عن أراضيهم ومنع إقامة أي بلدة عربية في هذه المنطقة. هذه الأراضي خالية اليوم من العرب بعد أن طردوا منها عقب قيام دولة إسرائيل وركزوا للسكن في منطقة السياج، المنطقة التي يسكنها عرب النقب اليوم. هذا البند سيصبح جزءا من قانون له انعكاسات خطيرة على مئات ألوف مهجري الداخل في الجليل، المثلث ومدن الساحل، حيث سيسد الطريق أمام عودتهم إلى أراضيهم أو تعويضهم بأرض مقابل ارض. من هنا يجب رؤية تقرير برافر والقانونالذي يحضر الآن بأنه موجه ضد مجمل الأقلية العربية الفلسطينية وليس عرب النقب وحدهم. كذلك فإن إستراتيجية إسرائيل الجديدة تتمثل في تطوير ما اتبعته من سياسات إبان النكبة وعدم العودة على "أخطاء" ارتكبتها آنذاك. فما زلنا نرى بعض الحطام والشواهد في قرانا المهجرة الماثلة أمامنا منذ العام 1948. أما هذه المرة فلا تعتمد حكومة إسرائيل على عملية التحريش فقط لإخفاء الجريمة. تهويد المكان يتطلب محوه من الذاكرة وخلق هوية ورواية جديدة له. إستراتيجية إسرائيل الجديدة رأيناها في العراقيب وقبل ذلك في طويل أبو جروال وهو عدم ترك أي شواهد وآثار لوجود عربي في المنطقة. في هاتين القريتين تم هدم البيوت وإزالة حطامها من المكان وتم قلع أشجار الزيتون وأشجار مثمرة أخرى وزرع أشجار الكينا (الايكاليبتوس) مكانها. الزائر للعراقيب اليوم لا بد أن ينفعل من صمود أهلها وثباتهم على أرضهم بعد هدم القرية واحد وثلاثين مرة. لقد محت الجرافات الإسرائيلية كل ذكر للقرية وأشجارها. لكن الزائر لا بد إلا أن يتفاءل عندما يرى الأشجار التي أبت إلا أن تقاوم. فهنا وهناك وعلى حطام القرية وبساتينها ترى بزوغ أشجار الزيتون، الرمان، النخيل والجوافة. فبعد الأمطار الأولى لهذه الموسم في القرية أبت هذه الأشجار إلا أن تقول ها أنا هنا، وأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". استراتجياتكم تتغير أما أنا فباق إلى الأبد في أرض الآباء والأجداد. المواطن العربي النقباوي يقاوم والأشجار تقاوم، ويبقى السؤال هل تقترح قيادات جماهيرنا أي جديد للمرحلة القادمة، المرحلة التي تهدد وجودنا على أرضنا وفي وطننا؟ **مدير مشروع "عدالة" في النقب