في 11 شباط 2011 أطاح الشعب المصري حسني مبارك ليجد نفسه أمام: إما التمسك بـ"الميدان" لاقتلاع بنية النظام وانتزاع مطالبه في "الحرية والكرامة الوطنية والإنسانية والعدالة الاجتماعية" أو الدخول في مساومة إصدار "إعلان دستوري" لإدارة مرحلة انتقالية يقودها "المجلس العسكري". إذاً، كان الخلاف منذ البداية بين شباب أطلق انتفاضة 25 يناير ودعا- مع قوى أخرى- إلى استمرارها حتى تحقيق مطالبها و"الإخوان" الذين دعوا إلى ما يمكِّنهم من استلام السلطة مع بقاء بنية النظام بقاعدتها الاجتماعية التي تقودها حفنة فاسدة من رجال المال والأعمال و"رأسمالية المحاسيب". يومها رجحت جماعة "الإخوان" حيث أنجحت الاستفتاء على "الإعلان الدستوري" في آذار 2011، وحصدت في تشرين ثاني 2011 غالبية مقاعد "مجلس الشعب"- الذي حُلَّ-بـ"إعلان دستوري"- تنفيذاً لقرار قضائي أصدرته "المحكمة الدستورية العليا"، وأوصلت مرشحها محمد مرسي لرئاسة الجمهورية الذي عزلته في 30 حزيران 2013 الموجة الثانية للانتفاضة تحت حماية القوات المسلحة.
لم يكتفِ "الإخوان" بارتكاب خطيئة الالتفاف على "المسار الثوري" القادر على خلع بنية النظام وتحقيق مطالب الانتفاضة، بل ارتكبوا- أيضاً- خطيئة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل صياغة دستور توافقي بزعم أن إعادة الاستقرار لمصر يكمن في إجراء "الانتخابات أولاً" وليس في إنجاز "الدستور أولاً" كخيار تبنته الائتلافات الشبابية وغالبية القوى السياسية والمجتمعية الوطنية بمشاربها المتنوعة. بهاتين الخطيئتين، وبمعزل عن النوايا، لم يؤسس "الإخوان" لبقاء بنية نظام مبارك عدم تحقيق مطالب الانتفاضة، فحسب، لكنهم أسسوا- أيضاً- لسقوط سلطتهم وتحويل الخلاف على مضامين الدستور وآليات صياغته وضمانات نزاهة الاستفتاء عليه إلى صراع سياسي حاد تحول بدوره إلى استقطاب شعبي ومجتمعي ومؤسساتي شامل أنذر بتحويل الدولة إلى دولة فاشلة، خاصة بعد أن أصدر الرئيس السابق محمد مرسي في تشرين ثاني 2012 "إعلاناً دستورياً" يحصن قراراته السابقة واللاحقة لتمرير دستور غير توافقي كانت "المحكمة الدستورية العليا" على وشك اصدار قرار قضائي يقضي بحل "اللجنة التأسيسية" لإعداده.
لذلك من التعسف اختزال خلافات قوى المعارضة التي شاركت في انتفاضة 25 يناير دون أن تنال شرف إطلاقها أو قيادتها في الخلاف على دستور ما بعد الانتفاضة، وإن كانت تركزت عليه، خاصة منذ نهاية عام 2012. فخلافات هذه القوى بدأت مباشرة بعد إطاحة حسني مبارك، بل قبل ذلك بأيام حين قبلت جماعة "الإخوان" الدخول في مساومة النظام الذي دعا إلى إخلاء "الميدان" مقابل تعيين عمر سليمان نائباً للرئيس وإحالة صلاحياته إليه وإجراء تعديلات على بعض مواد الدستور. ما يعني أن إدخال الانتفاضة الشعبية ومطالبها في دهاليز "المسار الدستوري" كان- أصلاً- من بنات أفكار بنية نظام مبارك التي امتطت- بنفوذها السياسي والإداري والإعلامي- صهوة الموجة الثانية للانتفاضة ليجد الشعب المصري نفسه مرة أخرى في مواجهة طرفين يرى الأول، "الإخوان، في انتفاضة 30 حزيران "انقلاباً عسكرياً"، بينما يرى الثاني، بقايا نظام مبارك، في انتفاضة 25 يناير "انقلاباً إخوانياً".
ما يعني أن مواجهة الشعب المصري مع "الإخوان" منذ موجة الانتفاضة في 30 حزيران 2013 تحمل المضمون ذاته، وإن اختلف الشكل، لمواجهته مع نظام مبارك منذ 25 يناير 2011. إنها المواجهة الرافضة لمحاولات الالتفاف على مطالب "الحرية والكرامة الوطنية والإنسانية والعدالة الاجتماعية" بمعزل عن اسم الطرف الذي يحاول ذلك. وآخر دليل على ذلك هو أن الشعب المصري الذي رفض دعوات "الإخوان" إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور الأخير وشارك بنسبة هي الأعلى مقارنة بنسب مشاركته فيما عُرِضَ عليه من مشاريع دساتير منذ العام 1971، رفض- أيضاً- على لسان رموز حركته السياسية والشبابية والمجتمعية الوطنية محاولة بقايا نظام مبارك الفصل بين موجتي انتفاضته. ما يعني أن القوى التي أطلقت الانتفاضة بقدر ما ترفض "شيطنة" "الإخوان" لموجتها الثانية ترفض أيضاً "شيطنة" بقايا نظام مبارك لموجتها الأولى، بل وترفض محاولة الطرفين فصل هذه الانتفاضة بموجتيها عما سبقها من انتفاضات وثورات شعبية في مقدمتها ثورة 23 يوليو 1952 التي تعرضت ولا تزال منذ رحيل قائدها، عبد الناصر، لعملية "شيطنة" ممنهجة إن على يد جماعة "الإخوان المسلمين" أو على يد نظام مبارك وريث نظام السادات الذي ارتد عليها، بينما جاءت انتفاضة 25 يناير بموجتيها لتجاوز ربع الكأس الفارغ لهذه الثورة واستعادة ما حققته من انجازات وطنية واجتماعية وقومية. ما يعني أن المواجهة الدائرة في مصر هي مواجهة بين أغلبية ساحقة من أبناء الشعب المصري وحركته السياسية والمجتمعية والشبابية الوطنية من جهة، وبين "الإخوان" وبقايا نظام مبارك، من جهة ثانية. إذاً نحن أمام مواجهة بمضامين معقدة ومركبة وبانعكاسات إستراتيجية، وربما تاريخية، على مصر ومحيطها العربي في آن. أما لماذا؟
لأنها مواجهة تدور في مصر التي أثبتت تجربتها الحديثة والمعاصرة، على الأقل، أنها "إن قامت قام العرب وإن نامت نام العرب". ولأنها مواجهة غير منفصلة عما يشهده ميزان القوى الدولي والإقليمي من تحولات كبرى، ما يعني أن حسمها لمصلحة الشعب المصري يحدد وزن مركز القوة العربية في ميزان قوى النظام الدولي والإقليمي الجديد. ولأنها مواجهة متداخلة مع ما لـ"الإخوان" ولبقايا نظام مبارك من تقارب مع الولايات المتحدة، ما يعني أن حسمها لمصلحة الشعب المصري يحدد مصير توقه للتخلص من سياسة التبعية والارتهان للسياسة الأميركية. ولأنها مواجهة متشابكة مع ممارسات حركات "إسلام حزبي" تكفيرية جاهلة متطرفة شوهت صورة الحراك الشعبي العربي وما انفكت تنشر القتل والتدمير والتخريب والتقسيم الديني والطائفي والمذهبي والجغرافي والمجتمعي في أرجاء الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه. ولا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير كي يكتشف صلة كل ذلك بمخطط "الفوضى الخلاقة" وتطبيقاتها متعددة الأشكال والذرائع في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والسودان والحبل على الجرار.
بقي القول: إن نجاح الشعب المصري في تجاوز استحقاق الاستفتاء على الدستور، إنما يؤكد قدرته على تجاوز استحقاقات الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية المقبلة، ويبرهن- مرة أخرى- على عبقرية هذا الشعب وعراقة حضارته وقوة إرادته وعمق مخزون "قوته الناعمة" في السياسة والفكر والثقافة والفن والصحافة والإعلام.....الخ ما يطرح على "الإخوان" وبقايا نظام مبارك وأي سلطة مصرية قادمة سؤال: إلى متى العناد وتجاهل حقيقة أن الفوز بثقة الشعوب وصوتها الحر يتطلب برنامجاً يستجيب لمصالحها وهمومها ومطالبها؟ هذا عموماً فما بالك إذا كان الشعب المعني بوزن شعب مصر الذي أطلق انتفاضة شعبية اسقطت سلطة نظامين كان يصعب تخيُّل سقوطهما خلال ثلاثة أعوام.