مات الكابتن أبو حرب

حجم الخط

 

      بالأمس رحل عنا جمعياً رفيقنا وأنيسنا ابو حرب...رحل الكابتن " مروح الهيجاوي" الطيار الذي فقد بعضاً من توازنه...رحل العاقل في زمن الجنون...رحل الكابتن أبو حرب الذي عرفته مكاتبنا وقواعدنا منذ ذلك الزمن الجميل..زمن الكفاح والنضال الحقيقي.

    مات الرجل الذي لم يفقد عقله..مات العصامي الثوري الذي لم يتلوث من موبقات زماننا...وظل أسيراً لزمانه...زمن الكفاح المجاني...زمن الغالي والنفيس ورخص الأرواح  في سبيل الوطن الغالي.

   رحل الطيار الذي كان مشروعاً لعملية عسكرية نوعية في قلب الكيان الصهيوني عام 1971 ولم يحالفه الحظ..فسقطت طائرته في البقاع اللبناني بعد أن فقد السيطرة عليها...فاصيب بارتجاج في المخ...ظل يعاني من تبعاته حتى مماته...ربما فقد بعضاً من توازنه لكنه لم يفقد عقله..لم يفقد روحه..لم يفقد أخلاقه..لم يفقد ذاكرته...ظل بين الرفاق في قواعدهم ومقراتهم وفي ترحالهم..كان أنيساً لهم بظله ونكهته المميزة وحواراته العميقة ..الغير منظمة.

  أذكر هذا المناضل يوم أن كان في قاعدة "جلالا في البقاع اللبناني" كان دائم الحضور والحركة..كان جزءاُ من المكان وعنواناً آخر للكلام..دخلت على غرفته وبها عشرات من علب الحليب الفارغة..لقد أخذ قراره منذ عشرين عاماً بالصيام على طريقته..الصوم عن كل شئ ما عدا الماء والحليب..كان قراراً ثورياً مجنوناً عاقلاً ...لا يهم...لقد ترك الطعام...واصبح لا يعرف طعاماً للأكل..يكفيه الحليب كي يبقى على قيد الحياة..يرى الجميع يأكل ما لذ وطاب من الطعام..دون أن تغريه نفسه بأن يكسر قراره الثوري..لا مجال في الحوار معه حول هذا الموضوع..أخذ قراره لا طعام..لا أدويه..الجسم يعالج نفسه... قرارك هو عقلك وجسدك مطواع قرارك الثوري!!..واستطاع ان يخضع لقراره الثوري...طوع نفسه على الحليب فأصبح إنساناً يصوم في زمن الفجور..زاهداً أكثر من الزهد والزاهدين والصائمين.. لم يتبقى من الرجل بعد حادثة الطائرة إلا ما تعلمه وما اختزنه إبان الثوره المغدوره..ربما فقد جزءاً من تماسكه العقلي لكنه أبداً لم يفقد وعيه الوطني والثوري..بل كان دائم الاستهزاء من بائعي لحظات الزمن الجميل..بقي حارساً أميناً على تاريخه لحظه بلحظة..يحدثك عن واقعة سقوط الطائرة بتفاصيل دقيقة..تجبرك على السؤال والسؤال...لكنه يسرد الحادثه حين يكون السؤال وليس لاستثمار او استعراض الحادثة في رفع شأنه الوطني..ولا للاجترار المبتذل..هو حكيم نفسه..هادئ الطباع..عنيداً وصلباً..محباً للمعرفه..فقد كان جامعياً ناجحاً ومميزاً.

  كانت متاعه ذلك الكراس وبضعة أقلام معلقة في جيبه...لا يمل من الكتابة أي كتابة وأية عبارات..كان يستنزف ربع راتبه في شراء الأقلام والأوراق...يكتب عن السياسة اليومية..والعملية الثورية..والتنظيم الثوري..وعن أهمية المؤتمر الدولي..!! وعن الأخلاق الثورية...ولا سياقات منطقية في الكتابة سوى الفكرة الوحيدة..الثورة والحس الثوري..يا له من جنون...لا لم يكن مخبولاً ولم مجنوناً..ولم يكن فاقداً عقله...بل كان يعاني من مرض عدم التركيز جراء الحادثة المؤلمة..

   حفظ الدرس من وديع حداد..ونقشه في عقله وصدره...وخطه كل يوم في مئات الأوراق المبعثرة بخط الرقعة الجميل...درس الوطن والكفاح والأخلاق الثورية...يجادلك في كل شئ في علم الماركسية وأبجديات الثورة...يتدفق حيوية بدون سياق للأفكار..وينتقل من فكرة الى فكرة...لا يجمعها إلا فكرة النضال.

   رجل من زمن غابر جميل...لا يخطئ العنوان مع الرفاق..بينهم ولهم لا يمالئ..كان يرفض أن يساعده أحد في اغتساله أو تنظيف ملابسه..رفض الذهاب الى المشفى   وآثر الذهاب الى فكرته الأولى...معسكر الثورة...هناك في معسكر درعا...وهناك أسلم الروح بين الرفاق والبنادق التي أحبها...

وداعاً أبا حرب...أنت العاقل وهم المجانين...أنت أعقلنا لإنك لم تفرط في ثقافة ثورتنا..أغلقت عليها في عقلك..وذهبت معها الى الخلود.