«إيفان الفلسطيني»... رواية مروان عبدالعال: ذاكرة خامسة للوجع والمنفى والشمس...!

حجم الخط
«أنا عرب الذي كنتُ يوماً «عرب». كي تكون أحلامي النّاجية الوحيدة بجلدها على مجداف خشبيّ فوق سفينة نوح، صرتُ إيفان الممزّق الوجه والأشرعة، رقماً لمهاجر تبتلعه طواحين الماء ولم يعد هناك تاريخ مقدّس ولا بصمات تخصّني وحدي ولا اسم يشرّف صاحبه او حتى يدلّ عليه». بهذه العبارة التي تصدّرت الصفحة (191) من روايته الخامسة (إيفان الفلسطيني) والواقعة في مئتين وسبع صفحات من القطع المتوسط والتي نشرتها دار الفارابي - بيروت - 2011؛ يؤكد لنا الأديب والروائي الفلسطيني «مروان عبدالعال» على لسان بطل الرواية «عرب»، عمق الفاجعة التي امتدّت خيوطها الداكنة حدّ الاستحالة الى مشنقة، او مقصلة ترغب في الإجهاز على أحلام الانسان الفلسطينيّ في المخيم والشتات والمنفى. ولعلّ المتأمّل في سيرة «عرب» على صفحات رواية عبدالعال، يلمس جانباً من تراجيديا الغربة والضياع، تلك الثنائية التي تسوِّر حياة الفلسطينيّ، تماماً كقصة الضياع وفقدان الهوية التي عالجتْها رواية (موطن الألم) للأديبة الكرواتية «دوبرافكا أوجاريسك» التي تتبّعت تداعيات العيش في المنفى، وكيف تحوّل اليوغسلافي في ظل تفسّخ كيانه وتشظّي الحرب العرقية، الى نازح ومهاجر يتلهّف الى الأمان الذي لا معنى للإنسانية من دونه. واذا كانت المشاهد في روايات الاغتراب والضياع، وفقدان الهوية تختلف في مسارح أحداثها، وفي أزمنتها وأمكنتها، إلاّ أنها تتلاقى في الجوهر الانساني، وفي التصنيفات الأدبية والنقدية، ليصبح مصطلح «أدب المنفى» سِفْراً فوق الأجناس والأعراق والحدود التي تفصل بين أمم الأرض وشعوبها، وبالتالي فهو كتاب جامع ما عاناه «عرب» في «إيفان الفلسطيني»، الى الذي عانته «الدكتورة تانيا» في «موطن الألم»، الى الذي كتبه الروائي البرازيلي (خورخي أمادو) في «طرق الجوع»، حيث تصدّى بقوة لمأساة المهاجرين في سيرتاو. وبالعودة الى مأساة «عرب» المتسربل بكل آلام المنفى، من مخيم الشتات في «النهر البارد» الى بيروت، فبروكسل حيث لم يُسعفْهُ القدر بالحصول على اللجوء فيها، ما جعله يستنجد بكيِّ بواطن أصابع يديه لمحو البصمات، كي يستطيع العبور الى الأراضي الألمانية للعيش هناك، حيث غيَّر اسمه، واستبدل إيفان الألمانيّ بعرب الفلسطينيّ رغبة في اندماج حُلميٍّ في الواقع الجديد، ربما يحمل اليه أضاميم أمل تُنسيه المآسي والأحزان والأوجاع التي تكبّدها في غربته وهو يئنّ بين مطارق اللجوء وما يشبه العنصرية في بلاد العرب، وبين سندان المنفى الذي فرضه عليه احتلال أرض الآباء والأجداد من قبل الصهاينة الغاصبين. ومع «عرب» الذي انقلب الى «إيفان»، تتفاقم الحبكة، ويرتقي الأداء الروائي لدى مروان عبدالعال، حيث تشتعل فصول الرواية بصراع الأضداد، وبالتمزقات الوجدانية، وبمنازلة الماضي الحاضر، وبثورة الانتماء الأول والأصيل، على التالي الدّخيل، فتبرز أمامنا تشظّيات ذلك الأتون، ويظهر «عرب» و«إيفان» متقابلَيْن في ساحة النِّزال، عبر تصاعد وتيرة التناقض في مشهدية الذات التي لم تستطع الخروج من ماضيها - الهوية، الى فضاء جديد يفخَّخ بالخَصاء الفكري وبالضياع المفتوح على كلّ معاني الاستلاب والخواء. وقد تسلّح أديبنا «عبدالعال» وهو يرفع الى عقولنا وقلوبنا هذه اللوحات الآسرة بقدرة جاذبة وفاعلة على خلق الجدل، وبناء الحوارات، وإبراز الأداء المنولوجي الماتع لدى شخصية البطل «عرب»، ما جعل الرواية التي نحن بصددها تحفل بمخزون على جانب كبير من الأهمية، ولاسيما في مجال التداعيات الحِكميّة والفكرية والعاطفية، ما يسجّل لـ(إيفان الفلسطيني) حضوراً ذا قيمة عالية في الأثر الثقافي الواسع، والذي يُحْمَل اليه قارئها والمتمعّن في متنها ومضامينها. واذا قُدِّر لنا ان ننظر مليّاً في الصفحات: 28، 30، 34، 52، 72، 92، 101، 113، 115، 133، 138، 144، 158 وفي الصفحة ذات الرقم 160، فإننا سنعثر على أربع عشرة حكمة لا تشكِّل التِّعداد النهائي للحِكَم المزروعة بين دفّتي الرواية، وإنما تشكّل - بالتأكيد - الجو العام العابق بالاستعبار الذي تعوّدنا العثور عليه وقراءته في الأعمال والقصائد الشعرية، وها نحن اليوم نُتْحَف بلُمعه في رواية مروان عبدالعال، وكأنه يقول لنا بأنّ فكرة الالتزام في الأدب واحدة، وبأن الشعر المُتّصل بالحكمة جدَلاً، هو الرواية في منتهاها وغائيّتها، التي لها القدرة ذاتها في التّلاقي الحميم مع الحكمة في أثوابها الفضيّة المعانقة للشمس والفراش. ومن تلك الأجواء نقرأ لصاحبنا قوله ص115: «حينما تضيع الأمكنة، تتلاشى معها الأزمنة»، وقوله ص138: «زهرة عبّاد الشمس تدعونا الى النَّظر الى الأعلى، لا شيء في الأسفل تبحث عنه الفراشات!»، كما نقرأ له في الصفحة 144 تلك الحكمة البالغة: «عندما تكتب بأصابع دامية، هذا يعني ان الحرية ليست وجبة سريعة». وفي البحث والسؤال عن الوطن والهوية، والذي يشكّل روح الرواية وعمودها الفقريّ، والذي نعثر على تردّداته كثيراً في الصفحات: 32، 33، 34، 76، 79، 81، 90، 91، 92، 97، 150 وفي الصفحة 167 حيث ينقل قول «عرب» الضائع في منفاه وفي بحثه عن هوية تمنحه الأمان والطمأنينة: «وبهذا اليوم، يكون قد انقضى ثلاثون عاماً وأنا أحمل اسم إيفان. نصف عمري الأول «عرب» والنصف الثاني «إيفان». أربعون سنة في شتات من تغيير البصمات الى رقم في قسم الهجرة، الى جنسية، الى اسم أختفي خلفه، وفي أمكنة غريبة بهوية أغرقتني في الضياع، لم أعدْ أعثر على نفسي». ولعلّ قمة المأساة ترتسم في خاتمة العبارة: (... ولم أعد أعثر على نفسي)...؛ هذا ما انتهى اليه «عرب» وكأنه الهارب من ضياع اللجوء ومنافي القهر، ليقع في أحابيل التفكّك وفي فُصام «الأنا»، الذي قاده الى انتحار من نوع آخر، حاول من خلاله «عرب» قتل الروح الغريب والرهيب الذي تسلّق في حمأة المنفى وضيقه سيرته الأولى محاولاً محوها من ذاكرة الزيتون والبحر، ما أثار مروءته فأطلق النار على نفسه كي يتخلص من «إيفان» الرهيب، المحاكي ولو بالاسم، ذاك الذي ارتكب المجازر والإبادات الجماعية رغبة في التسلّط والتوسع وجعل روسيا امبراطورية مترامية الأطراف. وكعادته التي جرى عليها في «زهرة الطين» ورواياته الأخرى، يُرصِّع مروان عبدالعال، أعماله الأدبية بومضات فكرية تحمل القارئ على البحث، وتتبُّع الأفكار وصولاً الى مُنْتهيات وخواتم يكون فيها العقل حاضراً كحَكَم يفصل بين الأبيض والأسود، ويمنع تداخل الأطياف كي لا تضيع الهوية. وفي هذا السّياق ينقل صاحب (إيفان الفلسطيني) على لسان «عرب» في الصفحة (104) ما قرأه لـ«برتراند راسل» حول واقع السعادة وفهم العالم: «... السعادة التي تتطلّب النشوة مهما كان نوعها سعادة مزيّفة لا تُرضي ولا تُجدي. يجب فهم العالم الذي نعيش فيه الى أقصى حدود الفهم». المُدقّق في قول «راسل»، وفي ربطه بين فهم العالم والسعادة، يخلص الى نتيجة مؤدّاها أن السعادة الحقيقية لا تكمن في نشوة الأعضاء والحواسّ الناتجة عن الإشباع المادي، وإنما هي فكرة في الأصل، وتنبع من القراءة الصحيحة والعميقة لواقع الكون والانسان والحياة، حيث يتحقق الفهم المبين، وتقوم ولادة السعادة وفق رؤى عقلية مستنيرة في قراءتها لما حولها. وفي الإطار الفكريّ نفسه ينقل لنا «أبو باسل» في الصفحة الثانية والتسعين مقولة «فيكتور هيغو»: «غزو الجيوش يمكن مقاومته، أما غزو الأفكار فلا...». إن أهمية ما قاله «هيغو» تكمن في التمييز بين نوعين من الغزو، العسكري الكولونيالي، والآخر الثقافي والامبريالي، حيث يكون الأول قائماً بالعسف والقوة جهاراً نهاراً، بينما الآخر يأتي بأثواب المكر والدّهاء، وعبر عناوين براقة لتنميات ثقافية واقتصادية مزعومة. لذا كانت مواجهة الأول ممكنة وميسورة، وتسعى اليها الجماهير وقياداتها بعزم وإباء. بينما الثانية تتطلّب تبيان مَكْر الجهة الغازية قبل القيام الى مواجهتها، حتى يتحقق للناس واقع الأمر وبيان الحال، ليسيروا وفق قناعتهم لمواجهة الداء الذي ارتدى لبوس الدواء. وثمة مقولة للشاعر الألماني (غوته) يُدوّنها «مروان عبدالعال» في إطار الأداء المنولوجي الذي يحاكي فيه «عرب» نفسه وأعماقه، فينقل الأخير العبارة المحفورة على القاعدة الغرانيتية لتمثال الشاعر الذي فرّ الى بلاده ابن الشتات الفلسطينيّ: «... إن الشِّعر الجميل كقوس قزح لا يرتسم إلاّ فوق سطح معتم، لهذا كان الحزن عنصراً مناسباً كل المناسبة للعبقرية الشعرية» (ص83). لعلّ في هذا الرأي مساحة أخرى لفضاء العبقرية الإبداعية، والتي ترى في الأوجاع والأحزان والمعاناة، لازمة لا بدّ منها، ولا غنى عنها، من أجل ولادة النّص الجميل والفاعل والمؤثّر. وهذا يذكّرنا بارتباط الجودة في الأعمال الشعرية والأدبية، بمدى مُكابدة مبدعيها للآلام التي عُدتْ - بدورها - مَعْبَراً الى ولادة النّتاجات الآسرة والبنّاءة في أداء القرائح المُبْدعة؛ والذي عبَّر عنه ذات يوم الشاعر الراحل الياس أبو شبكة بقوله: «إجرحِ القلبَ واسقِ شعركَ منهُ فدمُ القلبِ خمْرَةُ الأقلامِ» وبهذا يكون الروائي والأديب الفلسطيني «مروان عبدالعال» وعبر روايته (إيفان الفلسطيني) وما سبقها من روايات أخرى كـ: (سِفْر أيوب) و(زهرة الطين) وغيرها، قد أكد حضوره في ميدان الأدب الفلسطيني المعاصر، كمدافع عن ذاكرة الأرض والتاريخ والمستقبل، ذاكرة الانسان المنفي في الشتات، وأكد على لسان بطله ان حليف الشمس سينتصر... «أنا إيفان الفلسطيني، سأبقى لاهثاً وراء لحظة تصنع الزمن مضرّجاً بدمي المزركش في رقصة الموت، طالما أن الشمس دليلي، فأنا لستُ رهيباً، بل ضحية الزمن الرهيب». ------ * أديب وشاعر فلسطيني