اليسار العربي…من التعثر والفشل الى النهوض

حجم الخط

نحن أمام حركة تحرر عربية (ديمقراطية يسارية )تعيش حالة من النكوص، تشير إلى طبيعة ازمتها الراهنة، التي تدل على العجز الواضح ، في ظروف ومستجدات يبدو فيها الباب مشرعاً أمام المزيد من هيمنة العدو الامبريالي الصهيوني
ولذلك فإن النقد الجاد الكامل والصريح، هو نقطة البداية، لإعادة صياغة فصائل وأحزاب حركة التحرر العربية ، إلى جانب إعادة صياغة أهداف الثورة التحررية الديمقراطية العربية، وممارستها على أساس علمي، بعد أن توضحت طبيعة الطريق المسدود الذي وصلته الأنظمة العربية، وما انتهت إليه مسيرة هذه الحركة بسبب أزمة فصائلها وأحزابها اليسارية ، وأزمة قياداتها خصوصاً، وهي ازمة تستدعي المبادرة إلى تقييم ونقد التجربة السابقة ، الى جانب دراسة الخصائص والمنطلقات السياسية والفكرية التي تميزت بها تلك الفصائل والاحزاب طوال الحقبة الماضية، والتي ربما كان إهمالها في الماضي أحد الأسباب الرئيسية لتعثرقوى اليسار العربي وفشلها، وفي هذا الجانب اشير الى اهم المنطلقات التي باتت بحاجة إلى المراجعة والمناقشة وإعادة الصياغةعلى طريق النهوض :
أولاً : إشكالية النهضة القومية العربية المعبرة عن طموحات ومصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل المضطهدين ومن ثم تفعيل العلاقة الجدلية بين الماركسية والقومية : حيث بات من الضروري أن تقوم القوى اليسارية العربية في كل قطر ادراج البعد التوحيدي القومي كبعد رئيسى في عملها ، بما سيضيف عمقاً جديداً لقواها بدلاً من أن يبقى كما كان الأمر حتى الآن ، عبئاً عليها وعامل إضعاف لها .
ثانيا : الاستيعاب الموضوعي – بالمعنى الثوري – لدور ووظيفة نشوء وتأسيس الدولة الصهيونية ،ومن ثم النضال ضد الحركة الصهيونية ودولتها، لاقامة دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية لكل سكانها.
ثالثا : إشكالية التبعية وكسرها وتجاوزها : وهي اشكالية مرتبطة بتبعية كل البلدان العربية ، كأجزاء متناثرة ، للنظام الرأسمالي المعولم وفق محددات قانون التطور اللامتكافئ، وبالتالي فإن وحدة التحليل الأساسية من منظور القوى اليسارية الثورية التي تسعى إلى التغيير، تتحدد أساساً وحصراً بالمجال القومي الديمقراطي العربي الذي تستطيع فيه هذه القوى تعبئة نفسها بشكل فعال وأخذ زمام المبادرة على نحو قادر على خلق صيرورته النضالية المستقبلية .
رابعا : القاعدة الاقتصادية والأبنية الفوقية : ففي ظروف التخلف والتبعية تلعب الأبنية الفوقية المتصلة بالسلطة السياسية وبالثقافة والأيديولوجية بصفة عامة دوراً أكثر أهمية بكثير من تأثير القاعدة الاقتصادية بحكم تخلفها. إذ أن التحالف الطبقي الحاكم في الأنظمة العربية يلعب دوراً هاماً في دعم البنى الفوقية القديمة وتحويلها إلى رصيد لقوى التخلف .
خامسا : الحاضر والماضي : هنا أقول بصراحة ، لابد من الوعي بأهمية العمل الفكري والسياسي الهادئ والمتدرج باتجاه القطيعة المعرفية مع كل رواسب التخلف في ماضينا، التي أتاحت عودة الماضي ليحكم الحاضر، او عودة الميت ليحكم الحي، وهذه العودة تتجسد في بلادنا اليوم على شكل اصوليات يمينية سلفية رجعية أو على شكل القوى اليمينية الحاكمة في الانظمة العربية، وكلاهما من جوهر واحد وان اختلف شكل أحدهما على الأخر، وهذا نذير آخر حي بنوع المستقبل الذي تتحدث عنه تلك الأصوليات.
إنني لا أزعم –كيساري وطني و قومي ديمقراطي- أنني أنفرد بالدعوة إلى إعادة تجديد وتفعيل الفكر الماركسي القومي ومشروعه النهضوي الديمقراطي في بلادنا، ذلك لأن هذه الرؤية تشكل اليوم هاجسا مقلقا ومتصلا في عقل وتفكير العديد من المفكرين والمثقفين في إطار القوى الوطنية والقومية اليسارية الديمقراطية، على مساحة الوطن العربي كله، وهي أيضا ليست دعوة إلى القفز عن واقع المجتمع العربي أو أزمته الراهنة، وانما هي دعوة الى وعي كل مكوناته وتشخيصه وتفكيكه ومن ثم صياغة البديل التدرجي الثوري عبر استنهاض احزاب وفصائل اليسار في مجتمعاتها تمهيدا لبلورة وتأسيس الحركة الماركسية العربية القادرة على ممارسة التغيير الثوري المنشود.