في مواجهة فلسطينيي الداخل .. قوننة العنصرية الإسرائيلية!!

حجم الخط
للمرة الثانية عشرة تؤكد محكمة "العدل" العليا في إسرائيل على القانون غير الإنساني الذي يمنع لم شمل العائلات في حال زواج أحد مواطنيها من شريك فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد ردت هذا الأسبوع التماساً جديداً ضد القانون وأكدت على مشروعيته منذ أن أقر عام 2003 وتم تمديده ورفض أية فكرة للتراجع عنه، هذا القانون الذي ربما يشكل إقراره في الكنيست وتمديده وصمة في تاريخ أية دولة تصل إلى هذا المستوى من اللا إنسانية ليس فقط على مستوى الكنيست، بل أيضا محكمة العدل التي تعتبر نفسها حارس القيم الديمقراطية والعدالة وها هي تنكشف كباقي المؤسسات العنصرية . تم رد الاستئناف بأغلبية خمسة أصوات مقابل أربعة بينهم القاضي العربي سليم جبران وهو ما أثار قلقا في إسرائيل عن نقاش مسائل تخص " أمن الدولة " تتوقف على صوت قاض واحد، حيث رفعت الأصوات بتحييد المحكمة العليا رغم عنصريتها " وإبقاء الأمر في الكنيست " برلمان الشعب المنتخب " حيث يكتب البروفسور دانيال فريدمان احتجاجه قائلا " القانون كان سيفتح الباب أمام حق العودة الفلسطيني ويعرض وجود دولة إسرائيل للخطر، ويتساءل " كيف يمكن إلغاء تشريع حيوي للكنيست يعني بمشكلة وجودية لإسرائيل أن يحسم بفارق صوت واحد " ؟ صحيح أن القانون المجرد من الإنسانية أقرته الكنيست السادسة عشرة في عهد شارون الذي استغل قيام أحد الفلسطينيين من الضفة الغربية الذي يحمل هوية إسرائيلية لزواجه من إحدى الفلسطينيات في إسرائيل استغل قيامه بتقديم مساعدة لإحدى المنظمات الفلسطينية ليطرح للتصويت وسط أجواء الانتفاضة، هذا القانون الذي لا مثيل له في العالم من حيث عنصريته ، وقد تم تمريره بأغلبية ساهم فيها حزبا العمل وكاديما، وقد كان التبرير أن هذا القانون سيمنع وقوع عمليات في إسرائيل ولأهداف أمنية، لكن السبب الحقيقي غير ذلك، فهو هدف سياسي بامتياز منع تحقيق عودة لأي فلسطيني كما بدأ ينكشف مع التمديد الثاني عشر للقانون والنقاشات التي دارت بين القضاة . لكن الكنيست الثامنة عشرة الحالية كانت الأكثر وضوحا في التشريعات العنصرية التي تخص الفلسطينيين في إسرائيل، حيث لم تعد تخفي تلك النزعة خلف مبررات أمنية بقدر ما تسارع الوقت لإلباس منظومة الثقافة العنصرية ثوباً قانونياً شرعياً، إذ توصف بأنها الكنيست الأكثر عنصرية في تاريخ إسرائيل من ناحية المشاريع والقوانين، حيث يعلق النائب محمد بركة بقوله " أن حصيلة هذه القوانين بإمكانها أن تكون كتاب قوانين لأكثر أنظمة العالم سوداوية بما فيها الأنظمة الفاشية". فقد أغلق العام الماضي والذي لم تكمل فيه الكنيست الثامنة عشرة السنة الثالثة على عشرة قوانين ضد الفلسطينيين في اسرائيل، وهو ما اعتبر أن هناك مخططا للتضييق عليهم ودفعهم لمغادرة الدولة حيث أصبحت العنصرية جزءاُ من المشهد السياسي في إسرائيل، وأصبح الاتجاه السائد هو قوننة هذه العنصرية من خلال سن جملة من القوانين ضدهم، فقد بدا أن الكنيست تفرغت فقط للعمل ضد الفلسطينيين في إسرائيل بدءا من قانون النكبة وقانون الولاء وقانون المواطنة والأراضي واللجان المحلية وسحب المواطنة وحظر رفع صوت الأذان وقانون الخدمة المدنية وقانون المقاطعة. صحيح أن الكنيست الأخيرة تحظى بسيطرة التيار اليميني القومي الديني في إسرائيل، وهناك موجة من الفاشية يمثلها ليبرمان لكن كل تلك القوانين مرت بأصوات المعارضة الإسرائيلية التي تعتبر أن بينها وبين اليمين الديني مسافة ثقافية وهي أكثر ديمقراطية، والغريب أن بعض القوانين كانت تقدم من قبل المعارضة اليسارية نفسها. داني دانون عضو الكنيست من الليكود طلب اشتراط عدم إعطاء بطاقات شخصية وجوازات سفر إلا بعد توقيع الفلسطينيين على تعهد وإقرار بالولاء لإسرائيل ..! ويمنع عليهم الاحتفال بمناسباتهم الوطنية وعلى رأسها النكبة، وتأمر حملة القوانين بالاعتقال لمدة عام على من يدعو لعدم الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية أي المقصود من تلك القوانين هو محاولة تشويه ثقافية تنتهي بحالة من الاغتراب لكل فلسطيني تجعل من مغادرته لإسرائيل الخيار الوحيد للإبقاء على توازنه العقلي والنفسي والاجتماعي . ليبرمان وزير الخارجية العنصري ورئيس حزب إسرائيل بيتنا والذي يعارض المفاوضات ومحاولات التوصل لتسوية في برنامج حزبه الانتخابي يعرض إعطاء المثلث بسكانه للفلسطينيين، فهو يعارض الانسحاب من الضفة الغربية ولكن عندما يتعلق الأمر بفلسطينيي إسرائيل فإنه يستعد لاقتطاع جزء من أراضي الدولة . موجة تشريعات عنصرية تجتاح الكنيست ومحكمة " العدل " وتعزز نفسها في السلوك اليومي ضد الفلسطينيين هناك، ومن الواضح أنها تزايدت مع تنامي اليمين القومي والديني في الدولة التي تشهد إزاحة باتجاهه، ولكن من الواضح أيضا أن إسرائيل تفرغت لعلاج ما أسمته بالقنبلة الديمغرافية لديها والخطر الاستراتيجي الأبرز كما وصفتهم أوراق مؤتمر هرتسيليا الأول عام 2000 . وقد تسربت وثيقة من مكتب نتنياهو في رئاسته الأولى للوزراء تصف الفلسطينيين في إسرائيل بالخطر القومي وتوصي بالتعامل معهم وفقاً لذلك "هذا قبل الانتفاضة " ومن الواضح أن الانقسام الفلسطيني وتحقيق تهدئات على جبهتي غزة والضفة مكن إسرائيل من التفرغ للبحث عن حلول لمشكلة الفلسطينيين داخلها وهنا يتحمل الفلسطينيون الجزء الأكبر مما يحدث لإخوانهم هناك . يشكل الوجود الفلسطيني في إسرائيل مشكلة إستراتيجية، فالتزايد الديمغرافي هناك يسير لصالحهم، فقد كان عددهم عند إقامة إسرائيل 156 ألف فلسطيني وقد تضاعفوا عشر مرات حتى الآن، بينما لم تبلغ النسبة لدى اليهود إذا ما حسبنا عدد المهاجرين منذ أكثر من ستة عقود فإن اليهود لم يتضاعفوا مرة واحدة، وتحسب إسرائيل اتجاهات الزيادة السكانية "المقلقة" بالنسبة للحسابات اليهودية وتنشغل بالبحث عن حلول كان قد تطوع مركز فريدرش إيبرت منذ أكثر من عقد ونصف بتمويل أبحاث ووضع سيناريوهات المستقبل، وكلها كانت سوداوية، حيث من المتوقع أن يصل عددهم في عام 2035 إلى 40% من سكان الدولة وهذا له استحقاقاته والتي ستغير هوية الدولة، وهذا ربما ما يفهم من إصرار نتنياهو على الاعتراف بيهودية الدولة . المشكلة أن الكيان السياسي الفلسطيني غائب تماما عن ورقة القوة الأبرز بالنسبة له، فحين تنتهي إسرائيل من الفصل مع مناطق 67 سواء بتسوية أو من جانب واحد سيستعر أكثر الصراع مع الفلسطينيين في إسرائيل، مادة الصراع القادمة والغائبة تماما عن جدول النظام السياسي والأحزاب الفلسطينية وحتى مراكز الدراسات الهامشية، فالنظام منذ سنوات منشغل بحالة من التآكل الداخلي بسبب الانقسام بعيدا عن البحث في الاستراتيجيات الكبرى، وأهمها ما هو وضع الفلسطينيين في إسرائيل وكيف يمكن دعمهم وتعزيز صمودهم أمام الهجمة الكبرى والمتزايدة . والسؤال الأكبر الذي يبتعد الجميع عن طرحه في إطار إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية كنظام سياسي لكل الفلسطينيين، ما هو تمثيل فلسطيني إسرائيل في المنظمة، سؤال صعب ولكنه ضروري ..!!