لمصلحة من .... تبهيت مفاهيم : الوطن، الوطنية، المواطنة؟!

حجم الخط

في البدء كانت الكلمة ... وهي أمانة ومسؤولية وليست مجالاً لتفريغ أهواء الذات، فمجالات ذلك , أخرى بالطبع،ولأن الكلمة كذلك , فهي مؤثرة ويتناسب حجم امتدادها في كثير من الأحيان مع الموقع الذي يحتله كاتبها،ولذا فهي مسؤولية مضاعفة.
مفهوم"حب الوطن"هو: الإخلاص والولاء للبلد الذي ينتمي إليه الإنسان. فيه يولد ويحيا طفولته وشبابه ،وربما كهولته وشيخوخته. هو ملعب الصبا , عناصره مرتبطة بالوعي واللاوعي الفردي , والمجتمعي. السلوك الفردي فيه هو جزء من شخصية عامة مجتمعية , محكومة بعوامل وعناصر مرتبطة : بالتاريخ والحضارة والثقافة ووحدة الجغرافيا وغيرها من المجالات , وهي محددات رئيسية للمجتمع، للشعب،على طريق بناء الأمة(كما في الوضع العربي مثلاً). لكل ذلك فإن الترابط ,عضوي , بين مفاهيم : حب الوطن، الوطنية، المواطنة. لكل ذلك نرى التغزل في الوطن , في الأشعار والحكم والأقوال للمثقفين والكتّاب والروائيين والشعراء عبر كل العصور : قديمها وحديثها. يقول أمير الشعراء أحمد شوقي :
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
أما فوليتر فيرى:" أن خبز الوطن خير من كعك الغربة ". أما جورج سانتيانا الفيلسوف الإسباني الأمريكي فيقول:" قدم المرء يجب أن تكون مغروسة في وطنه، أما عيناه فيجب أن تستكشف العالم". أحد دعاة الفكر الإسلامي محمد الغزالي يقول:"ليس بالضرورة أن تكون عميلاً لتخدم أعداء الوطن،يكفي أن تكون غبياً". ومن هنا كانت المقولة"حب الوطن من الإيمان". ويقول الشاعر الراحل محمود درويش" وطني ليس حقيبة ... وأنا لست مسافر ... إنني العاشق والأرض حبيبة" ويقول أيضاً " أحبُّ البرتقال ... وأكره الميناء" وغير ذلك من الحكم والأقوال.
صحيح أن صموئيل جونسون وفي أحد أقواله يكتب : أن "الوطنية هي الملاذ الأخير للأوغاد – ولم يزد كلمة على ذلك؟! " , لكنه كان ينتقد ما سُمّي حينها "بالوطنية الكاذبة" وكان هذا التصريح في 7 إبريل عام 1775 , والقصد منه : توضيح الفارق بين مفهومي " الوطنية الكلاسيكية " , التي ظهرت في القرن الثامن عشر, (والتي لم تفرّق بين الولاء للدولة ,والولاء للكنيسة )، وبين"الوطنية المطلوبة الحقيقية – المقصودة" والتي ترى: أنه لا ينبغي لرجال الدين , أن يقوموا بالتدريس في المدارس العامة، لأن غاياتهم هي الجنة فقط، بالتالي لا يمكنهم أن يكونوا قادرين على غرس مفهوم "حب الوطن" في عقول طلابهم. كان جان جاك روسو هو أكثر المتأثرين بهذا المفهوم في عام 1774. بالتالي فإن صموئيل جونسون قيّم كثيراً ما اعتبره "الوطنية الحقيقة" وهو يعتبر: أن حب الوطن واجب على كل إنسان، ولذلك يجب عليه أن يخلص في حب وطنه كي تنهض الأمم وتترقى. من الضروري الإشارة إلى أن كل من جون سيتوارت, وإيرل بوته ساهما أيضاً في صياغة مفهوم"الوطنية الحقيقية". لا يجوز الاستشهاد بمقولة أحد على قاعدة " ويل للمصلين " دون إكمال الآية ! .
الوطنية:هي مصطلح اختلف على تفسيره الباحثون , وفقاً للمدارس الفكرية التي ينتمون إليها، لكنها تتراوح بين الانتماء للعقيدة أو العاطفة , هي باختصار:انتماء الفرد لوطنه, وقيامه بالمهام التي يطلبها الوطن منه،في مجال عمله بالطبع. أرسطو يعرّف المواطن" بأنه المؤهل لتولي المناصب العامة" وغالبية المواطنين قادرة على شغل المناصب في بلدانها وفقا للتخصص الفردي .
المواطن له حقوق وعليه واجبات. الفرق كبير بين الفئات الحاكمة الظالمة , وانتمائها الأيديولوجي الطبقي والسياسي الفكري ومدى تبعيتها للغير, وبين ما يجب أن يكون عليه أفرادها في مناصبهم , ومن تنفيذ واجباتهم تجاه مواطني البلد الذي تحكمه سلطتهم , في تداول سلمي ديموقراطي للسلطة, على قاعدة الحرية والكرامة وحرية التعبير والتطبيق الديموقراطي الحقيقي وليس الشكلي, وصون البلد والمحافظة على حدوده من اعتداءات الغير, وعدم التبعية والولاء لغير الوطن, ووضع الكفاءات في أماكنها المناسبة , والتأمين للناس صحيا وأثناء المرض وفي الشيخوخة , مع مجانية التعليم والطبابة , ورخص المواصلات العامة , وتأمين السكن للمواطنين باسعار مناسبة , وتأمين وتوفير حاجات الناس الحياتية والضرورية ودعم السلع الأساسية , وانتهاج سياسات وطنية على الصعيدين الداخلي والخارجي , والمحافظة على وحدة النسيج الأجتماعي للشعب , المجتمع , تطبيق القانون على الجميع , فالكل سواسية امامه , ولا مجال للمحسوبيات في الوطن . تحقيق وطن العدل والمساواة بين كل المواطنين مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم وإثنياتهم ولون جلودهم . هذا هو واجب الفئات الحاكمة ولتذهب إلى الجحيم , إن لم يكن كل ذلك, دورها .
هذا ما يسعى المواطن العربي إلى تحقيقه في وطنه . فأوروبا حققته بالثورات , والتضحيات , والمعاناة الكبيرة , بدءا من الثورة الفرنسية في عام 1848 , وقد انتشر لهيبها إلى مختلف الدول الأوروبية فيما جرى تسميته "بربيع الأمم " و " ربيع الشعوب " إلى سنوات قريبة في التاريخ الحديث . هذا الإسم ( الربيع ) الذي جرى إطلاقه على الحراكات الجماهيرية العربية في عام 2011 , لم يكن مصطلحا جديدا . الربيع العربي جرت مصادرته من قوى متخلفة عقدت صفقات مع القوى الخارجية . قد يكون " بروفه " للتغيير الحقيقي فيما بعد . المواطن الأوروبي لم يهجر وطنه , بل تحدى وناضل كثيرا من أجل تحقيق بلدان العدل والإخاء والمساواة , وهي شعارات الثورة الفرنسية . المواطن العربي ليس استثناءا عن الأوروبي , وهو قادر على مواصلة النضال حتى تحقيق أهدافه العادلة . كثيرون من المواطنين العرب ضحوا بارواحهم من أجل تحقيق مجتمعات العدالة في أوطانهم واستقلالها الوطني . شكلوا ويشكلون نبراسا مضيئا لشعوبهم : الشهيد الليبي عمر المختار , الشهيد العراقي فهد ( يوسف سلمان يوسف) , الشهيد اللبناني فرج الله الحلو, الذي اذيب جسده بالأسيد , الشهيد السوري عزالدين القسام ,الشهداء الفلسطينيون: محمد جمجوم , فؤاد حجازي ,عطا الزير , عبدالقادر الحسيني وغيرهم وغيرهم في التاريخ الحديث . هؤلاء لم يتركوا أوطانهم ويهاجروا ... كانوا بمستوى التحدي , وقاتلوا .
حب الوطن , تدعو إليه الأديان والثقافات المختلفة. القرآن الكريم وفي آيات كثيرة منه , يحض على حب الوطن, لعل منها:" لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم،أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم". أي أن الله يحض على قتال الذين يُخرجون المسلمين من أوطانهم. أما النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) فوقف يخاطب مكة المكرمة (وهي بلده الأصلي) مودعاً لها , وقد جرى إخراجه منها عنوة،فقد روي عن عبدالله بن عباس أنه قال:"ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ،ولولا أن قومي أخرجوني منك , ما سكنت غيرك". هذا رغم كل اضطهاده فيها في بداية الدعوة.
أما القومية العربية فهي تدعو إلى حب الوطن , ووحدة الأمة العربية في دولة واحدة , لأن العروبة كعقيدة ناتجة عن تراث مشترك من اللغة والثقافة والتاريخ , إضافة إلى مبادئ الحرية والديموقراطية والكرامة. العروبة هي الإيمان : بأن الشعب العربي شعب واحد, تجمعه إضافة إلى كل العوامل السابقة:الجغرافيا , الاقتصاد , المصالح المشتركة , الهموم الوطنية المشتركة وغيرها ,ويمكن على هذا الصعيد, مراجعة كتابات آباء الثقافة العربية, والداعين إلى الفكر القومي العربي: ساطع الحصري،قسطنطين زريق،زكي الأرسوزي،عبد الرحمن الكواكبي وغيرهم.
الوطنية:هي مصطلح اختلف على تفسيره الباحثون , وفقاً للمدارس الفكرية التي ينتمون إليها،لكنها تتراوح بين الانتماء للعقيدة أو العاطفة لكنها باختصار:انتماء الفرد لوطنه وقيامه بالمهام التي يطلبها الوطن منه،في مجال عمله بالطبع.أرسطو يعرّف المواطن"بأنه المؤهل لتولي المناصب العامة".المواطن له حقوق وعليه واجبات.الفرق كبير بين الفئات الحاكمة وانتمائها الأيديولوجي الطبقي والسياسي الفكري ومدى تبعيتها للغير.
وعلى الصعيد الأوروبي خسر السوفياتيون 20 مليونا من 60 مليونا من الأوروبين, أرواحهم على طريق تحرير أوطانهم من المحتل النازي . هذا فقط في الحرب العالمية الثانية . في أمريكا كانت الحرب الأهلية الطاحنة ( من عام 1861 – 1865 ) بين الشمال والجنوب على طريق تثبيت مستقبل أمريكا ووحدة أراضيها . شهداء حركات التحرر في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية أكثر من أن يعدوا أو يحصوا . الثائر الأممي أرنستو جيفارا يرى وطنه حيث يكون الظلم , لأنه يؤمن بدوره المساعد في رفع هذا الظلم عن كواهل مواطني البلد المعني , فهو يقول : " إنني أحس بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا , فأينما وجد الظلم , فذاك هو وطني " . انطلاقا من هذا الإيمان : فإن الطبيب الإرجنتيني شارك في الثورة الكوبية وقاتل في الكونغو واستشهد في بوليفيا . اولئك المناضلين لم يهجروا أوطانهم وخاضوا معارك بلدانهم وبلدان غيرها من أجل مبادئهم . في كل حلقات تطور المجتمعات: من الشيوعية البدائية, مرورا بالرق والعبودية في بلاد الإغريق – اليونان القديمة , سواء أكان الناس عبيدا من العوام أو عبيدا للإله بوسيدون، الاقطاعية، الرأسمالية، الاشتراكية .. ناضل الإنسان من أجل تحقيق مجتمع العدالة والمساواة في بلده ولم يكل ... لم يمل ... لم يهاجر من وطنه .. وظل ملتصقا فيه .
جملة القول : إن تسخيف مفاهيم : الوطن والوطنية والمواطنة, كما الدعوة إلى الهجرة من الوطن , تصب قصدا أو عن غير قصد في مجرى خدمة المخططات المستهدفة للوطن العربي . هذا ما يريده الكيان الصهيوني للفلسطينيين , حين تفتح سفارات الدول الحليفة لاسرائيل أبوابها , لهجرة الشباب , كما في سوريا والعراق ولبنان وغيرها من الأقطار العربية ... لتفريغ هذه البلدان من كفاءاتها . نحن نؤمن بالمستقبل العربي, كما يريده أبناء أمتنا من المحيط إلى الخليج . الصهاينة اخترعوا الأضاليل والأساطير من أجل تزوير حقائق ثابتة , ويدّعون زورا وبهتانا : أنهم عاشوا في فلسطين قبل ثلاثة آلاف سنة ولذلك لا بد من عودتهم إليه ! ؟ . البعض من مثقفينا يدعون إلى الهجرة وترك الاوطان .... غريب والله هذا المنطق , ولكن لا غرابة ... فنحن نعيش زمن اللامعقول ... زمن الغرائب والعجائب !؟ .
* * *
* *