في تظاهرة وطنية ومجتمعية مهيبة تُجسد أسمى معاني العفو والتسامح، وفي خطوة وطنية لتعزيز السلم الأهلي وتمتين الجبهة الداخلية في قطاع غزة، نجحت لجنة الإصلاح التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في محافظة غزة، وبالتعاون الوثيق مع خيرة رجال الإصلاح والوجهاء والمخاتير، في إتمام صلح عشائري وعائلي كبير بين عائلة "بركات" الكرام وعائلة "أبو وردة" الكرام.

وقد تكللت هذه الجهود الحثيثة والمضنية التي استمرت على مدار شهور طويلة بالوصول إلى اتفاق وتسوّية نهائية تُنهي الخلاف بشكلٍ جذري وتُعيد اللحمة الأخوية بين العائلتين، تأكيداً على وحدة النسيج الاجتماعي الفلسطيني في مواجهة كافة التحديات.
هذا وألقى الأخ/ منير بركات كلمة باسم عائلة بركات، أكد فيها على تغليب المصلحة الوطنية العليا، حيث قال: "نقف اليوم أمامكم بقلوب يملؤها الألم والمسؤولية تجاه مجتمعنا، وبعد أشهر ثقيلة من رحيل ابننا الغالي حامد معين بركات، اخترنا أن نغلب صوت العقل والحكمة".
وأضاف " إن قرارنا بالعفو هو إدراكٌ راسخ بأن العفو في مثل هذه المواقف هو سمة النفوس الكبيرة، وبأن دماء أبنائنا غالية جداً ولا تستحق أن تُهدر في دوامة صراعات لا تخدم سوى أعداء شعبنا الذين يتربصون بنا".
وأضاف بركات: "في ظل الظروف القاسية التي نمر بها، ندرك أن المخططات التي تهدف لزرع الفتنة ونشر الفوضى بين صفوفنا لا تهدف إلا لتمزيق وحدتنا وإضعاف جبهتنا الداخلية. ولأننا نؤمن أن بوصلتنا يجب أن تظل موجهة نحو التماسك، اخترنا الانتصار على جراحنا لنحمي مجتمعنا من التفكك. وبناءً عليه، نعلن أمامكم جميعاً، عفونا التام عن الطرف الآخر، طاوين صفحة الماضي ومستقبلين المستقبل بقلوب موحدة".
وتقدم بركات بعميق الشكر للجنة الإصلاح في الجبهة الشعبية، التي كانت درعاً حامياً من الانزلاق إلى منزلقات خطيرة، آملاً أن يكون هذا الموقف درساً في المسؤولية الوطنية، وأن تكون هذه الخطوة بداية لمستقبل يسوده الاحترام المتبادل بين الجميع".
من جانبه، أعرب الأخ صلاح أبو وردة، محافظ الشمال، عن بالغ تقديره لهذه الخطوة النوعية، مؤكداً على أهمية الدور الذي تلعبه فصائل العمل الوطني ولجان الإصلاح في نزع فتيل الفتن، قائلاً: "أقف اليوم مثمناً ومقدراً عالياً هذا الموقف التاريخي. إن الشكر موصول لكل فصائل العمل الوطني، ولجان الإصلاح المجتمعي، والوجهاء الذين واصلوا الليل بالنهار لتقريب وجهات النظر. إننا نؤكد اليوم على أن دم الفلسطيني على الفلسطيني حرام، وأن وحدتنا هي سلاحنا الأقوى. نتوجه بالتحية والتقدير لآل بركات على نبلهم وعفوهم، ونشد على أيدي الجميع لمواصلة هذا النهج الذي يحمي نسيجنا الاجتماعي".
وفي كلمةٍ له خلال مراسم الصلح، تحدث الرفيق أكرم عوض، مسؤول منظمة الشهيد معين المصري في محافظة غزة بالجبهة الشعبية، مستعرضاً الجهود المضنية والطويلة التي خاضتها الجبهة ورفاقها لإنهاء هذا الملف، حيث قال: "لقد كانت جهودنا ماراثونية، استغرقت شهوراً من المتابعة الدقيقة واللقاءات المكثفة، مؤكدين أن هذه الجهود المثمرة تأتي في إطار تحصين جبهتنا الداخلية من التمزق والاقتتال العائلي البغيض الغريب عن عادات وتقاليد شعبنا".
واعتبر عوض أن هذا الصلح هو انتصار لقيم الحق والعدل، مؤكداً أن الجبهة الشعبية تعتبر صون دماء أبناء شعبنا هو أمانة وطنية تتقدم على أي اعتبار آخر، معبراً عن فخره وفخر الجبهة الشعبية برؤية هذه العائلتين الكريمتين وهما تفتحان صفحة جديدة من المحبة والأخوة".
واختُتمت مراسم الصلح بتعانق أفراد العائلتين في مشهدٍ يعكس أصالة القيم الفلسطينية، وسط أجواء من الارتياح العام والتقدير الكبير للجهود التي أثمرت هذا التوافق.
وقد أجمع الحضور على أن هذه المبادرة هي رسالة وطنية بالغة الأهمية مفادها أن وعي العائلات الفلسطينية هو الضمانة الأولى لاستقرار السلم الأهلي، وأن التسامح والترفع عن الخلافات الفردية هو الطريق الأوحد للعبور نحو مستقبل أكثر تماسكاً وقوة في وجه كافة المؤامرات التي تستهدف وحدة شعبنا ونسيجه الاجتماعي.














