خلال حفل ثقافي بغزة، الشعبية: كنفاني التحم بقضية شعبه وأمته العربية حد الانصهار


نظمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قطاع غزة حفلاً ثقافياً تراثياً على شرف الذكرى الاربعين لرحيل
حجم الخط
نظمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قطاع غزة حفلاً ثقافياً تراثياً على شرف الذكرى الاربعين لرحيل عضو مكتبها السياسي والأديب الكبير الرفيق غسان كنفاني، بحضور قيادات وكوادر وأعضاء الجبهة، وشخصيات وطنية وأدبية واعتبارية، ونسوية وشبابية. وافتتحت الرفيقة أمجاد شبات الحفل، مرحبة بالحضور، مشيدة بالأديب الكبير كنفاني، مشيرة أنه رحل وعمره لا يتجاوز السادسة والثلاثين ، وكان نتاجه الأدبي خصباً وثرياً ومتنوعاً أيضاً ، وأعماله أضعاف أضعاف ما تستوعبه سنين عمره القصير ، وكأنه كان يكتب بكلتا يديه، ومن ثم دعت الجميع للوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الشهداء. وألقى عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومسئول اللجنة الثقافية في فرع غزة الرفيق وسام الفقعاوي، كلمة افتتحها قائلاً: " في الذكرى الأربعين لاستشهاد الأديب المناضل الكبير/ غسان كنفاني، وفي حضرته وحضرة الشهداء العظام الحكيم وأبو علي ووديع وجيفارا غزة والقافلة الممتدة من سليل الشهداء الأوائل الزير وجمجوم وحجازي، تعجز الكلمات، وتتلعثم الألسنة، ويخيم الصمت، وإن تبقى لنا من الكلام ما يقال، فلن يكون سوى تعبير عن عجزنا، وقلة حيلتنا، وقصر هاماتنا التي تنحني إجلالاً وإكباراً لهم، لنضالهم، لعطائهم، لتضحياتهم، لاختيارهم طريقة موتهم وتجددهم المستمر في الحياة". وأكد الفقعاوي أن غسان التحم بقضية شعبه الفلسطيني وأمته العربية، حد الانصهار، وعبّر عن ذلك بالتحاقه يافعاً بصفوف حركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ليؤكد أنه لا تعارض بين أن تكون مثقفاً أو كاتباً أو روائياً وأن تكون سياسياً ملتزماً، مؤمناً في مسألة بناء الحزب الثوري على أساس النظرية العلمية القادرة على قيادة الجماهير الفلسطينية الكادحة، حيث لم يفوت فرصة واحدة بعد انتقاله لمواقع التحليل الماركسي اللينيني؛ إلا وكان داعياً مبدئياً للحزب وضرورته التاريخية واشتراط انتصار الثورة بوجود هذا الحزب. وأوضح الفقعاوي أن كنفاني لم يكن مثقفاً، أو قاصاً أو روائياً أو سياسياً عادياً، بل أحد ميزاته الرئيسية أنه كان مثقفاً ثورياً، ومحرضاً سياسياً " لا تمت قبل أن تكون نداً "، " احذروا الموت الطبيعي "، " خيمة عن خيمة تفرق ". وأضاف بأن كنفاني أدرك مبكراً جدلية العلاقة بين المثقف والسياسي، فحسم أمره فكان صوت الثائر، وهدير البنادق، ووجع المخيم، ونصير الفقراء، وأحلام الطفولة. وقال الفقعاوي " لقد أرادوا القضاء على غسان بالطريقة البشعة التي اغتالوه بها مع ابنة أخته، وصغيرته المحبوبة لميس، فهل تحقق لهم ذلك؟ أربعون عاماً من الغياب الجسدي، هل رحل غسان فعلاً؟ أم تجذّر حضوره اليوم أكثر؟ حيث كان حقاً كما وصفته غولدا مائير رئيسة وزراء دولة الكيان الصهيوني التي أمرت باغتياله: "أخطر على إسرائيل من كتيبة من الفدائيين". وشدد الفقعاوي بأن قراءتنا لغسان تجعلنا نكتشف، أولاً ودائماً، أنه في عمق وعيه كان يدرك أن الثقافة أصل، من عدة أصول للسياسة، وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي. لذلك كان المسعى الأهم لبحوثه الأدبية والسياسية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد، لجهة البحث عن الإنسان المجرد والفلسطيني المجرد والاقتراب من الإنسان الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته ويدرك أحوال وطنه العربي ويعرف أكثر ماهية الصهيوني الذي يواجهه. وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها إلا ثقافة في مفهومها النقدي، متجاوزة لما هو سائد، وتقطع مع القيم البالية. ولفت الفقعاوي إلى أنه رغم حياة غسان كنفاني القصيرة، إلا أنه كان أنموذجاً طافحاً لحالة الشغف والعشق المستمر. نستطيع الانتهاء إلى هذا الاستنتاج من خلال العديد من التفاصيل المتفرقة، التي نلتقطها في الحياة اليومية لغسان، كما من ذلك التناثر الجميل على العديد من الأنساق الإبداعية التي جرَّبها، من القصة القصيرة، إلى الرواية، إلى المسرح، إلى الفن التشكيلي، وربما الشعر.. ومن البحث والدراسة، إلى النقد الأدبي، إلى الكتابة الصحفية والتحليل السياسي، إلى الكتابة الساخرة.. ففي سِفر الحكاية الفلسطينية لا يموت العاشق، حيث يُبقي وصال عشقه ممتداً.. متجدداً .. متعطشاً دوماً للاستمرار .. فالمناضل الجيد عاشق جيد بالضرورة... حينها تصبح مسألة الموت والحياة سيان، وتحضر صرخة غسان فينا: ليس المهم أن يموت أحدنا..المهم أن تستمروا ... وفي الموضوع السياسي قال الفقعاوي: " نعلم يا غسان بأنك تتألم في حضورك اليومي بيننا، خاصة بعد ما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من احتراب وانقسام سياسي جغرافي، وصراع لم يكن إلا على "سلطة وهمية"، صنعها الأعداء لنتلهى بها عن صراعنا التاريخي والشامل معهم، ومن مصالحة سموها وطنية باتت مراسم تحققها تُشيع إلى مقبرة الذبح المستمر للقضية تحت وقع مصالح ومغانم طرفي الانقسام والمصالحة في آن". واضاف " كَتبتَ قديماً.. بنظرة المثقف السياسي الثاقبة "إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية". لقد فشلوا بامتياز في الدفاع عن أعدل قضية نذرت نفسك لها، ولا زالوا ذاتهم هم "المدافعون الفاشلون" يمسكون بالموقد، ويطيحون كل يوم بالتاريخ والجغرافيا والإنسان، وكل ما تبقى لنا، ففي قاموسهم أصبحت المفاوضات حياة، والمقاومة متهمة أو مشبوهة برسم الاتفاق، وموقوفة في اللهث وراء التهدئة، وتقييد العقل والحريات ركيزة لسلطة فقدت شرعيتها منذ أوغلت في دماء شعبها، وتطبيقاً لقاعدة أننا رعايا ومسؤولين من الراعي". وفي ختام كلمته، شدد الفقعاوي أن كنفاني سيبقى دوماً الإنسان الكريم، والفلسطيني النموذجي الذي انتهى كما أراد. ولم يصل إلى ما أراد أن يصل إليه، إلا لأنه كان إنساناً حقيقياً، قبل أن يكون فلسطينياً يحفظ، عن ظهر قلب، مفردات الشرف والكرم والعدالة، ويحوّل المفردات كلها إلى مقاومة وطنية، تبدأ بفلسطين، وتنتهي إلى أحلام أخرى، معاهداً الشهيد الكبير بالاستمرار بقرع جدار الخزان، وأن تبقى الثورة جزء لا ينفصم عن الخبز والماء وأُكف الكدح ونبض القلب، وصولاً للحرية التى لا مقابل لها سوى الحرية نفسها. وتخلل الحفل عرض فيلم وثائقي عن حياة وسيرة الأديب الراحل، كما ألقى كل من الشاعر الأستاذ توفيق الحاج، والشاعرة سماح تايه قصيدتي شعر على هامش المناسبة. وقدّمت فرقة العصرية للفلكلور الشعبي عرضاً من الدبكة الشعبية الفلسطينية نالت استحسان الحضور .