بتنظيم من اللجنة الثقافية الفلسطينية واتحاد لجان المرأة
نظم اتحاد لجان المرأة الفلسطينية واللجنة الثقافية الفلسطينية حواراً ثقافياً مفتوحاً بمناسبة الذكرى الـ41 لاستشهاد الاديب الفلسطيني غسان كنفاني، وذلك في مقر اتحاد لجان المرأة، حيث عبر الاتحاد في افتتاح اللقاء عن اهمية هذا اللقاء الذي يسلط الضوء على حياة غسان كنفاني ونضاله وادبه، حيث ان غسان كنفاني ورغم رحيل جسده الا انه حاضر في فكره وترجمة ذلك ما زالت تعيش فينا، كما رحب الاتحاد في الحضور وابدى استعداده لاستضافة هذه اللقاءات التي تعيد البعث في امجاد وبطولات شخصيات صنعت التاريخ الفلسطيني، مشيرين الى تبني اتحاد لجان المرأة الفلسطينية لفكر غسان كنفاني، وهي تطلق اليوم على 22 روضة اسم غسان كنفاني كتعبير اصيل عن حالة الالتصاق والاندماج بمنهج كنفاني.
فيما افتتح الحوار المفتوح الاستاذ محمد ابو بكر من اللجنة الثقافية الفلسطينية مشيراً الى ان غسان كنفاني حمل القضية والانسان الفلسطيني ووضعهم في مصاف الادب العالمي وهو اول من اطلق مفهوم الادب المقاوم فكراً وعملاً، وانه زاوج بين الفكرة والتطبيق بالانضمام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان فيها ناطقاً بلسانها، ورئيساً لتحرير مجلة الهدف، وعضواً في المكتب السياسي للجبهة، رغم صغر سنه حيث انضم لحركة القوميين العرب وهو في عمر 18 عام واستشهد وهو في عمر 36 عام، وفي هذا العمر الصغير ترك البصمة الكبيرة التي لا يمكن تجاوزها، كما كان مستقطباً هو وابو ماهر اليماني لناجي العلي، واول من كشف عن ادب محمود درويش واميل حبيبي، ومرافقاً ادبياً نضالياً لتوفيق زيّاد، واضاف ابو بكر ان كنفاني ابن عكا كتب بحب للوطن وبلوعة عن المخيم وبشوق لارض فلسطين من خلال ارض البرتقال الحزين، ودعوته لم تهدأ لضرورة التمرد والبدء في طرق الخزان.
من جهته قال الناقد الادبي الاستاذ عمر عبد الرحمن ان غسان كنفاني حمل القلم بيد والبندقية باليد الاخر واستشهد من اجل كرامة الفلسطيني وكان معبراً اصيلاً عن الواقع المرير الذي عانى منه الكادحون، وكان اعجوبة زمانه بحق، فبرغم عمره القصير الا ان ابداعه كبير، وهو الذي هجر من وطنه فلسطين ليذوق ويلات اللجوء في لبنان ومن ثم لينتقل الى الكويت ليشمل بذلك حلقات متكاملة عروبية عن الابداع المتنوع في ادب غسان كنفاني، فهو الكاتب والباحث والصحفي والذي عمد الى تصدر قضيته (قضية فلسطين) كافة المحافل التي حضرها وارسل الرسائل الواجبة في ايقاظ شعلة الديمومة رغبة في الحرية والمستقبل، واضاف عمر عبد الرحمن الى ان غسان وهو الذي انطلق من الواقعية المادية وصولاً الى الواقعية الاشتراكية (على اعتبار ان الاشتراكية مستلزم نضالي لبى من خلاله غسان كنفاني يساريته، ناقداً للطبقة وملتزماً بهموم الناس، وملتحماً بجماهير الشعب الفلسطيني وتطلعاته) حيث سجل للفلسطيني في رواياته محطات كثيرة بدأ من التسجيل للحياة اليومية للفلسطيني في ارض البرتقال الحزين وزمن الاشتباك، والى القميص المسروق حيث حالة التناقض بين البحث عن لقمة العيش وحب الوطن، وبذلك تسجيل لمواجهة فلسطينية فلسطينية بين الخيمة والمعاناة والانتهازية، وبذلك تكون شخصيات غسان الروائية تعبير عن تطلعاته الذاتية وهمومه الشخصية التي عبرت عن الانسان الفلسطينية وكانت تلك الشخصيات الروائية من صناعة الواقع، واستطرد عمر عبد الرحمن في تناوله لروايات غسان حيث ان رجال في الشمس هي ادانة للواقع في حينه بتعاقب اربعة اجيال تقودها قيادة مخفقة واحدة متواطئة مع البيروقراطية والقيادات العربية الرجعية، واظهرت العجز في طرق الخزان لغياب الوعي، فيما جاءت ما تبقى لكم كإدانة لتلك السلبية وغياب الوعي والخلاص الفردي وادانة للقيادة الفلسطينية وبهذه الرواية اظهر غسان بدأ تشكل الوعي من خلال حامد الثائر في مواجهة زكريا الخائن، ولاحقاً جاءت ام سعد كاشارة لبداية التفاف الجماهير حول قيادة الثورة، وعائد الى حيفا للتأكيد على حق العودة، وبهذا يكون غسان قد انتقل من صور المخيم التي تعبر عن المعاناة الى ان المخيم اصبح منبعاً للثوار، واضاف عمر عبد الرحمن الى ان الموت كان حاضراً في روايات وقصص كنفاني خاصة بعد مرضه بالسكري مبكراً، حيث جاءت "في جنازتي" كقصة عبثية وجودية، ولكن تطور الموت ليكون حالة صوفية تدعو الى رفض الموت الطبيعي واهمية ان يكون الموت من اجل فكرة نبيلة، كما جاء في رواية "موت سرير رقم 12" حيث جاء العماني محمد علي رافضاً ان يتنازل عن صندوقه وحتى عن اسمه، كما شبه المنفى والرحيل بالموت، كما استذكر الناقد الادبي قصص القط وكعك على الرصيف، ومسرحية الباب التي حاكت رواية رجال في الشمس، ومسرحية القبعة والنبي التي وازت رواية ما تبقى لكم.
وختم الناقد الادبي عمر عبد الرحمن نمر مداخلته بالقول ان غسان لم يكتب للفراع ولا من اجل الفراغ، بل كان غسان في رواياته ضميراً غائباً وعمد الى اظهار الـ "نحن" لتظهير التكامل، معيداً لنا تصوير المرارة بفقدان الوطن، حيث وظف المونولوج والحوار الخارجي في الكشف عن الشخصيات، واعتمد على الرسائل، حيث كان غسان كنفاني لا يرى الفن الادبي مجرد تصوير للواقع بل هو اعادة ترتيب العناصر والاحداث، مستخدماً الرمز والايحاء، ليكون غسان الاديب والمناضل انساناً فلسطينياً شاملاً.
من جهته رأى الاستاذ باسل البزراوي ان غسان كنفاني استطاع التعبير عن الامور العميقة بطريقة بسيطة لينبت فينا حقول من التمرد، حيث كانت قضية فلسطين هي همه الاكثر ايلاماً، وفلسطين كانت دائماً في وجدانه وعميق قلبه، والمقاومة هاجسه الذي انطلق منه في اعماله الادبية، مرتقياً بذلك بالادب العربي ورافعاً عنه العار بعد سقوط فلسطين.
واضاف البزراوي ان كنفاني كان مبدعاً ورائداً بالانضمام لحركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعمله بالصحافة، معتمداً عن الثورة الحقيقية التي معلمها الوحيد والدائم هو الجمهور العربي الفلسطيني، مستنداً الى واقع الغربة المركبة (بين النفي القسري والتشريد وبين فلسفة تلك الغربة)، وكان غسان كنفاني نموذجاً للاصرار والارادة والامل والايمان بحتمية الانتصار والعودة والتحرير وهذا ما ظهرت ابعاده في اعماله الادبية.
فيما قدم احد الحضور مداخلة للمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بمناسبة الذكرى الـ41 لاستشهاد الاديب غسان كنفاني، جاء فيها؛ كان غسان مثالا للمثقف العضوي الحداثي والعقلاني التنويري والوطني والقومي الماركسي في آن واحد ، لكنه لم يكن صاحب رؤية أحادية معرفية يقينية ، قومية أو ماركسية يلتزم بجمود نصوصها بقدر ما كان مبدعاً في أدبه الثوري عبر تأويله للنصوص وتفسيره لها بما يقترب أو يتناسب أو يتطابق مع الواقع المعاش، فلم يكن ناطقاً باسم النص بل كان ثورياً يسعى إلى تغيير الواقع عبر وعيه له واستخدامه للمنهج المادي الجدلي في اكتشافه من جهة وعبر قناعته الموضوعية الثورية بمبادئ وأهداف الجبهة الشعبية من جهة ثانية، وهكذا أدرك غسانً أن مهمة المثقف هي ممارسة النقد الجذري لما هو كائن التزاماً بما ينبغي أن يكون عبر وظيفته النقدية بالمعنى الموضوعي ، وهي تتناقض كلياً مع وظيفة التبرير ،او النفاق الانتهازي والشللي أو الاعتراف بالأمر الواقع ، هنا يتداخل عضويا مفهوم المثقف مع مفهوم الطليعة بالمعنى المعرفي والسياسي التي ترى الالتزام بأهداف النضال الوطني ضمن الإطار القومي تجسيداً لرؤيتها .
كما وجه الصوراني تساؤلاً من خلال احد الحضور حول ماذا لو كان الشهيد الرفيق غسان كنفاني على قيد الحياة؟ واجابته برسم الرفاق وكل الاصدقاء الوطنيين عموما والشباب الفلسطيني خاصة القابضين على الجمر منهم، حيث قال انه وفي ظروف الانتفاضات الشعبية وشرعية الجماهير الثورية التي نجحت في اسقاط نظام الاسلام السياسي في مصرنا العربية ، وتواصل الصيرورة الثورية ضد كل مظاهر وأنظمة الاستبداد والاستغلال والقهر والتخلف من جهة وضد الوجود الامبريالي والصهيوني في بلادنا من جهة ثانية على الرغم من استمرار الانقسام وتفاقم حدة الاستقطاب والصراع على السلطة والمصالح الفئوية بين حركتي فتح وحماس، في مقابل استمرار عجز وفشل اليسار الفلسطيني والعربي عن بلورة البديل الشعبي الديمقراطي، فماذا لو عاد إلى الوطن "يعتكز" عصا عادية ويحدق في خيبة غير عادية في ظل وظلام هذه الحالة من الانقسام وتشتت الهوية والشعب والقضية؟ ماذا لو التقى برفاقه بدوافع الحنين إلى ذكريات الماضي النضالي المجيد لفصائل اليسار وألقى في جمع غفير منهم كلمة دون أن يعرف أن معظمهم ما عاد يكترث بأعماله ولا باستلهامها أو الاهتداء بها حتى لو عرفها ... وما عاد يكترث أيضا بالفكر الماركسي ومنهجه وبالمبادئ الثورية الوطنية والقومية والأممية التي استشهد من أجلها غسان!؟.
وقد ختمت الورشة بمداخلتين شعريتين للاديب حسين حجازي الاولى بعنوان "لا شيء غير الحق" والثانية "من أنتم؟"، كما شهد اللقاء الحواري نقاشاً حول اهمية عمل غسان كنفاني وضرورة استكمال الاهتمام باديب الشهيد القائد كنفاني، داعيين المؤسسات الرسمية وخاصة الثقافية الى ضرورة عدم تجاوز ذكرى الشهيد الراحل دون احداث حالة من التوعية اتجاه اديب كنفاني، كما وجهوا دعوة لبلدية جنين لضرورة تسمية قاعة ثقافية وشارع باسم الشهيد غسان كنفاني.