المؤتمر الوطني السادس – تموز 2000
بعد سبعة أعوام على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس و ستة أعوام على انعقاد الكونفرنس الأول، عقد المؤتمر الوطني السادس في تموز 2000 في ظروف ومستجدات سياسية مغايرة – بل ونقيضه في جوهرها- لظروف ومعطيات المرحلة التاريخية السابقة منذ إعلان الكفاح المسلح الفلسطيني على أثر هزيمة 1967 حتى تاريخ انعقاد كل من المؤتمر الوطني الخامس و الكونفرنس الحزبي الأول ، حيث شهدت الساحة الفلسطينية متغيرات نوعية من منطلق سياسي هابط بدأ – كما أشرنا من قبل – منذ مؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن وصولاً إلى إعلان المبادئ في أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية في تموز 1994 ، وتواصل المفاوضات العبثية بين القيادة المتنفذة في م.ت.ف من ناحية وحكومات العدو الإسرائيلي من ناحية ثانية، وفي هذا المناخ عقد المؤتمر الوطني السادس ، الذي نقدم فيما يلي عرضاً مكثفاً لمحاوره الرئيسية الثلاثة : الخطاب الإفتتاحي للرفيق المؤسس القائد الراحل جورج حبش ، و الوثيقة السياسية الصادرة عن المؤتمر، والوثيقة التنظيمية .
أولا: خطاب الرفيق القائد الراحل جورج حبش في افتتاح المؤتمر الوطني السادس :
في هذا المؤتمر، ألقى الرفيق جورج حبش، مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، خطابه الخاص والاستثنائي الذي أعلن فيه تسليم دفة القيادة التنظيمية لرفاقه في المؤتمر، " دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الجبهة التي أعطيتها عمري ، أو عن العمل السياسي والمهمات النضالية الأشمل وطنياً وقومياً" .
بدأ الحكيم خطابه مستذكراً مسيرة الجبهة الشعبية الطويلة ، ومستذكراً رفاقه الأوائل الذين وهبوا عمرهم في سبيل قضية فلسطين والأمة العربية ، ولكن رغم كل هذه المسافة الزمنية الممتدة بين أيام الشباب وصولاً إلى لحظة الشيخوخة ، وهي مسافة بذل فيها الحكيم قصار جهده دفاعاً عن حقوق وتطلعات شعبنا وأمتنا ، ورغم ذلك – كما قال الحكيم – "وصلت الأمور إلى هذه اللحظة والمرحلة، حيث التراجع والإحباط والتساوق مع المشاريع ( الأمريكية ـ الإسرائيلية)" ، ومع ذلك –كما أضاف الحكيم- "ورغم كارثية اللحظة وقساوة التحديات، إلا أنني لا زلت أمسك بخيط الأمل، ليس من منطلقٍ عاطفي، وإنما لأنني أدرك طبيعة الصراع، وأدرك أصالة هذا الشعب وهذه الأمة، كما أعرف دروس التاريخ، وبأن الهزائم والإحباط ومهما امتدت زمنياً فإنها تبقى مؤقتة وعابرة، فالشعوب في نهاية المطاف هي صاحبة الكلمة والفصل، وهي قادرة على أن تطلق أحلامها وآمالها مقاومةً وصموداً ودفاعاً عن أهلها ومصالحها" .
تناول حديث الحكيم إلى رفاقه في المؤتمر ، سؤالاً أساسياً جوهره ماذا مثلت الجبهة أثناء وجودي كأمين عام لها؟ وأجاب بقوله " لقد مثلت الجبهة وفق حقائق التاريخ والواقع، بتضحياتها، بدماء شهدائها، وصمود أسراها، وعطاء أعضائها، ورؤيتها السياسية، وممارستها النضالية قضية كبيرة تجلت في التفاف قطاعات شعبية واسعة حولها على المستويين الفلسطيني والعربي. فلماذا كان هذا الالتفات، ولماذا احتلت الجبهة هذا المكانة المتقدمة في التاريخ الفلسطيني المعاصر؟ هل يعود السبب يا ترى إلى شخصية جورج حبش؟ قطعاً الجواب بالنفي. إذن هل السبب بعض العمليات العسكرية المعينة؟ أم بسبب طبيعة الحياة التنظيمية التي حكمت بنيتها الداخلية؟ أم بسبب طبيعة ومواصفات الكادر الذي شكل نموذجاً مميزاً مقارنة بغيره؟ أم بسبب طبيعة العلاقة مع الجماهير...؟ أم هل يعود ذلك للهوية الفكرية للجبهة، والتي حاولت دائماً الربط الخلاق بين الوطني والاجتماعي، بين المرحلي والاستراتيجي، بين الوطني والقومي؟ أم هل يعود ذلك للتجربة المميزة للجبهة في ممارستها للقيادة الجماعية وإيجادها للمؤسسات الناظمة للعمل؟ أم غير ذلك؟
بعيداً عن التقليل من قيمة وأهمية هذه العوامل المذكورة، إلا أن هناك عوامل أكثر أساسية وجوهرية، فما هي هذه العوامل؟
ووفق قناعة ورؤية الراحل الحكيم، فإن العامل الأساسي في تميّز تجربة الجبهة الشعبية وخصوصيتها التي نالت كل هذا الإعجاب وهذا الدعم والتأييد، ولعبت كل هذا التأثير فلسطينياً وعربياً ودولياً، يعود بالأساس وبالدرجة الأولى إلى تشابك الخط السياسي الذي مثلته الجبهة مع المشروع الوطني التحرري بالخط القتالي... والسير في خطوات ملموسة في بناء الأداة التنظيمية - الجذع الذي يحمل هذين الفرعين.
ورغم أهمية الخط العسكري وإستراتيجيته بالنسبة للتجربة النضالية الفلسطينية، إلا أنني أود هنا التأكيد على الخط السياسي. والسبب في هذا التأكيد يعود إلى حقيقتين أفرزتهما التجربة الفلسطينية المعاصرة.
أن الخط العسكري يأتي في صُلب الخط السياسي، أي أنه جزء مكون من الرؤية السياسية... وبالتالي إذا كانت الرؤية السياسية سليمة وعملية وثورية فإنها بالتأكيد ستمارس الشكل النضالي الملائم مع تلك الرؤية السياسية.
إن إخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية، وارتداد قيادتها الرسمية ممثلة بفريق أوسلو لا يعود بالأساس إلى اخفاقها العسكري، أو لغياب كفاحية قواعدها التنظيمية أو الشعبية، وإنما يعود في هذه لمرحلة إلى انهيار الخط السياسي لهذه القيادة، الذي تُوّج بانقلابها على البرنامج الوطني التحرري، وانخراطها في المشروع الأمريكي-الإسرائيلي للتسوية.
أما بالنسبة للخط السياسي التي سارت على أساسه الجبهة ، وأعطاها كل هذا التميّز، فهو يتمثل كما رأى الحكيم بأربعة مفاصل رئيسية.
المفصل الأول: امتلاك الجبهة لرؤية علمية واقعية للعدو وتحالفاته وتبرز قيمة هذا الوعي بصورة أعمق عندما نستذكر حالة الخلط التي رافقت تجارب شعبنا التاريخية على هذا الصعيد، إبان العشرينات والثلاثينات والأربعينات. لقد طرحت الجبهة وبوضوح شديد فهمها ورؤيتها لمعسكر الأعداء، وكشفت الأسس الاقتصادية والسياسية التي تكمن وراء الحزب المعادي، وبينت خصائص المشروع الصهيوني كمشروع امبريالي استيطاني، كل هذا وسواه أوصلنا إلى استنتاج محوري مفاده: أن حالة الاشتباك التاريخي بيننا وبين المشروع الصهيوني ستتواصل وتستمر بحكم طبيعة التناقض الذي يحكم الصراع، باعتباره تناقضاً تناحرياً حصيلته النهائية: إما نحن أو المشروع الصهيوني.
إن نظرة جدية وعميقة للصراع ولمخططات وممارسات (إسرائيل) وسياستها، تبين جوهر المشروع الصهيوني كمشروع استيطاني عنصري، يستهدف الهيمنة السياسية والاقتصادية على فلسطين والأمة العربية وكل ذلك تحت مظلة عسكرية تستند إلى تفوقها المطلق سواء في الأسلحة التقليدية أو النووية، وبإسناد كامل من الولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا المعنى يأخذ حل التناقض التناحري مفهوم حل الصراع على أساس التصفية السياسية للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية وفرض الرضوخ والاستسلام على الأطراف العربية وإجبارها على التساوق مع المشروع المعادي والانزلاق فيه.
أننا نعتقد، بالنظر إلى طبيعة التناقض التناحري ودوام الاشتباك التاريخي، أن المشروع التسووي لا يتعدى إدارة الأزمة دون حل لها ،بما يتيح للتحالف الأمريكي-( الإسرائيلي) تحقيق انتصارات ونجاحات توسعية استعمارية. وبالرغم من كثافة الحملة الإعلامية، العالمية والعربية، والتي تحاول ترويج العملية الجارية على أنها "عملية سلام"، هذه الحملة والتي تجد لها صداً وتأثيراً على شعوبنا العربية، في الوقت التي تثبت فيه حقائق التاريخ، والواقع أن ما يجري ليس سلاماً حقيقياً، بل تسوية مؤقتة بالمعنى التاريخي، لأنها تأتي في ظل التغييرات الدراماتيكية الهائلة التي عصفت بالعالم وبالوضع العربي في العقد الأخير من القرن الماضي، كما تأتي في ظل التحولات النوعية التي طالت القيادات الفلسطينية المهيمنة. ولأنها أيضاً تسوية لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق المشروعة والتاريخية لشعبنا وأمتنا، قد تكون الجبهة في سنواتها الأولى ركزت على رؤيتها الإستراتيجية، ولكن من خلال التجربة التي توصلت إلى أهمية وضرورة الربط ما بين الإستراتيجية والتكتيك السليم، حيث أكدنا باستمرار على الترابط الوثيق بينهما.
المفصل الثاني: رؤية وقناعة الجبهة بضرورة تحشيد الجماهير الفلسطينية بدون استثناء، وذلك استجابة لطبيعة ومهمات مرحلة التحرر الوطني، غير أن الجبهة كانت تحرص دائماً على أن تكون قيادة الثورة قادرة على حشد وتعبئة كل طبقات الشعب،وحتى تتمكن من ذلك فإنها (أي القيادة)، يجب أن تكون معبرة عن تلك المصالح وقادرة عن الدفاع عنها وحمايتها، وهذا غير ممكن عندما تكون القيادة فردية ونخبوية، وتعبر عن مصالح الطبقة البرجوازية الكومبرادورية كما هو حاصل حالياً. من هنا كان تركيز الجبهة على أهمية أن تكون القيادة قادرة من حيث رؤيتها وفكرها وممارستها الطبقية على حماية مصالح وحقوق الشعب.
وعندما كانت الجبهة تشعر بأن قيادة الثورة الرسمية أو السائدة، تنحو بالثورة باتجاه الانكفاء على مصالحها الضيقة كما هو حاصل الآن، وتجيير النضال الفلسطيني واستثماره في خدمة الامتيازات والثراء غير المشروع للبيروقراطية المهيمنة المتحالفة مع البرجوازية الكومبرادورية ، كانت تتمرد وتثور في مواجهة تلك القيادة وخياراتها السياسية التفريطية .
وقد استطاعت الجبهة في بعض المراحل أن تلعب دوراً رئيسياً إن لم يكن الدور الرئيسي في فرض التراجع على تلك القيادة وإرغامها بالعودة عن مواقفها، كما حصل بالنسبة لاتفاق عمان في المجلس الوطني التوحيدي في الجزائر.
ولعل أحد أسباب إخفاقاتنا أننا لم نستطع عند اللحظة المناسبة، أن نكون بمستوى ترجمة هذا الخط الصائب فأضعنا الفرصة التاريخية السانحة لمواجهة انحرافات البرجوازية وخط سيرها المتهافت سياسياً.
وهذا التحدي يتواصل راهناً وتتضاعف قيمته يعد أن أصبحت تلك القيادة تملك سلطة وأجهزة أمنية في أرض الوطن، ومندرجة في مشروع سياسي متساوق مع مخططات وأهداف الاحتلال الاستراتيجية، إضافة إلى تبلور شريحة من السماسرة والوكلاء والمافيا المتحالفة مع القيادة الرسمية التي أخذت تعزز سلطتها السياسية والأمنية بسلطة اقتصادية تابعة ومرتبطة بالاقتصاد (الإسرائيلي).
المفصل الثالث: ترابط العمل الوطني الفلسطيني مع العمل القومي العربي؛ والذي يعكس رؤية الجبهة لخصوصية الصراع وموازين القوى وللبعد القومي كحاضنة للبعد الوطني، أما الصيغة التنظيمية لهذا الترابط فقد شهدت حراكاً دائماً امتد على مساحة التجربة النضالية -حركة القوميين العرب، حزب العمل، التفكير في جبهات قومية متعددة لقد كان هذا المفصل حاضراً باستمرار في رؤية القيادة والكادر والقاعدة، وهو مفصل ميّز باستمرار برامج وسياسات الجبهة ومواقفها دون أن يعني ذلك عدم ظهور أو وجود أخطاء وتقصيرات عديدة رافقت هذه المسيرة في تجاربها ومحطاتها المختلفة، وخاصة على مستوى الممارسة العملية التي لم ترتق إجمالاً إلى مستوى استحقاق عملية الربط ما بين البعدين الوطني والقومي، من هنا فإن أحد أهم أسباب الهزيمة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني الآن يكمن في عدم الإمساك الصحيح بهذه المعادلة الأساسية في علاقة الوطني بالقومي، الأمر الذي توَج في أوسلو بفصل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي العربي.
المفصل الرابع: البعد الدولي؛ حيث سعت الجبهة نظرياً وعملياً لحشد أوسع إطار دولي لنصرة القضية الفلسطينية إلى جانب بعديها الفلسطيني والعربي، وذلك إدراكاً منها لحجم معسكر العدو وما يملكه من إمكانات. هذا الخط كان يعكس أيضاً رؤيتها لوحدة معسكر الثورة على المستوى العالمي ونتيجةً لهذا الخط شكلت الجبهة وعلى مدار سنوات، عنواناً جاذباً حيث التحق بها المناضلون من مختلف الجنسيات والبلدان. لقد كانت مدرسة ثورية استطاعت إقامة شبكة علاقات تحالفية واسعة النطاق، تتبادل العون والمساعدة مع حركات التحرر القوى التقدمية والديمقراطية على المستوى العالمي.
هذه في تقديري أهم العوامل التي جعلت من الجبهة قضية مميزة في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر، والآن هل فقدت هذه العوامل صحتها وحيوتها؟ وهل بالإمكان استعادة دور الجبهة ومكانتها بدون إعادة تحديد هذه المفاصل الرئيسية التي ميزت خط الجبهة السياسي على مدار سنوات نضالها؟
إنني على قناعة تزداد عمقاً سواء بالمعنى الفكري أو كدروس للتجربة، بأن هذه النواظم تشكل معياراً واختباراً في العمق إذا ما أردنا أن تغادر الجبهة دوائر ركودها وتراجعها وأزمتها نحو الفعل والمبادرة والتجدد واستعادة ثقة الحركة الشعبية بها وبمشروعها الوطني والقومي التحرري .
وفي سياق خطابه إلى المؤتمر ، حرص الحكيم على استعراض المرحلة السياسية الراهنة محللاً الأوضاع الفلسطينية والعربية ، ومبرزاً لأهم معالمها بقوله " إن الساحة الفلسطينية والعربية فيها خندقان واضحان لمن يريد أن يرى ذلك خندق أمريكا، أي خندق الإمبريالية والصهيونية و(إسرائيل)، ويؤسفني هنا القول أن القيادة الرسمية لـ م.ت.ف قد انضمّت لهذا الخندق بعد اتفاق أوسلو، مع إدراكي ووعيي للتناقضات القائمة بين تلك القيادة الرسمية و(إسرائيل)، ولكنها تناقضات أخذت شكل التعارضات الثانوية، التي يمكن حلها والتعامل معها تحت السقف والرعاية الأمريكية. وما يزيد الأمر سوءاً أن الاختلال في رؤية حقيقة قوى هذا المعسكر المعادي أصبح سائداً عند العديد من القوى والأفراد، الأمر الذي يشوه قراءة التناقضات وإدارة الصراع، ويخلق وعياً مزيفاً ووهماً عاماً بأن الصراع قد انتهى أو أنه على طريق الانتهاء. هذا ما نجد تعبيره في مرادفات الخطاب السياسي السائد والمهيمن حل النزاع، العملية السلمية، التطبيع، التعايش، إن (إسرائيل) أصبحت نهاية حقيقية في المنطقة، المصالح المشتركة... الخ
يقابل ذلك الخندق الذي يعبر عن مصالح أهداف الجماهير الفلسطينية والعربية، خندق الصمود والمقاومة، خندق قوى الثورة التي تواصل طريق الحرية والاستقلال لتحقيق أهدافنا العادلة. الخندق الذي يسعى لتحقيق مصلحة كل طبقات الشعب الفلسطيني، الخندق الذي يعرف حقيقة (إسرائيل) والصهيونية وحقه في النضال المستمر حتى دحر الصهيونية بالكامل، الخندق الذي يؤمن يأن الدولة وتقرير المصير والعودة أهداف مرحلية وليس نهاية المطاف أو الصراع، وبالتالي فإنه يواصل النضال لتحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية، الخندق الذي تؤمن قواه السياسية والاجتماعية، بضرورة أن تكون هذه الدولة العلمانية جزء من مشروع إقامة المجتمع العربي الجديد، الخندق الذي يقدم حلاً إنسانياً وديمقراطياً للمسألة اليهودية.
صحيح أن هذا الخندق يمرّ في هذه المرحلة من الضعف والارتباك، ولكن هذا الحال مؤقت كون شعبنا الفلسطيني وجماهير أمتنا العربية تموج بالتناقضات ولن يستطيع أحد خداع أو السيطرة على كل هذه الملايين للأبد.
وهنا خاطب الحكيم المؤتمر قائلاً "هذا الخندق بكل ما له وعليه، يجب أن يكون خندقنا كجبهة شعبية، رغم أنني أدرك جملة الصعوبات التي تعاني منها الجبهة وتعترض مسيرتها، وأعتقد أن مهمّة المؤتمر الوطني أن يعيد التأكيد على موقع الجبهة في هذا الخندق وأن يرسم شروط استعادة الجبهة لدورها المبادر والفعّال على هذا الصعيد".
واستطردة قائلاً "بعد هذا التأكيد، لنحاول الآن استقراء المخطط المرسوم من قبل معسكر العدوّ (أمريكا وإسرائيل) للقضية الفلسطينية بهدف تصفيتها يدرك الحلف المعادي حقائق الواقع، ويدرك حجم وعمق حالة الاختلال التي يعيشها العالم والمنطقة في المرحلة الراهنة، كما يدرك تهافت القيادة الرسمية الحالية لتحقيق أية منجزات في ظل قيادتها ومهما كان الثمن وخاصة تحقيق شظايا دولة إسمية وهمية مع بعض الشكليات (حرس شرف، بساط أحمر، أجهزة أمن الرئاسة..)، المهم أن تُؤَمِّن مصالحها في الهيمنة الاقتصادية كوكلاء الاحتكارات الأمريكية و(الإسرائيلية)، إنها تسعى بسرعة لبلورة مصالح الطبقة البرجوازية الكومبرادورية وضمان مكانة متواضعة لها في خارطة الأخطبوط الرأسمالي العالمي كخادم وسمسار له. ولهذا فليس من مصالحها الآن الصراع مع معسكر الأعداء، (أمريكا وإسرائيل) الذي يدر بدوره هذه الحقائق كلها، وبالتالي يقول لتلك القيادة حسناً فليكن هناك دولة! هذا نظرياً، أما عملياً فما يحدث هو إعادة انتشار على جزء بسيط من مساحة الضفة وغزة مقطعة الأوصال ودون سوق موحدة مع استمرار قضم الأراضي الفلسطينية".
وهنا، يتساءل الحكيم، عن أي دولة يتحدثون؟ ويجيب قائلاً "لدينا ثلاث قضايا كبرى يجب أن ندقق بها: - الأولى أن هذه الدولة ستكون دولة مقابل التنازل عن أجزاء واسعة من الضفة وغزة بما في ذلك القدس.
- والثانية: هذه الدولة ستكون مقابل التخلي عن حقوق أربعة ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات.
- والثالثة : هذه الدولة ستكون في الواقع بلا سيادة، إنها دولة كاريكاتورية بمعنى أنها لا تملك السيادة على الحدود فعلياً، ولا تملك الحق في استثمار مواردها الطبيعية وخاصة المياه، ولا تملك الحق في تعزيز قواها الدفاعية، ولا يحق لها إقامة أحلاف لا توافق عليها (إسرائيل)، ولا أيضا أن لا يمس قيام هذه الدولة المشاريع الاستيطانية الصهيونية. إنها مجرد معازل ملحقة بالاقتصاد( الإسرائيلي) وجسر للسلع و الثقافة (الإسرائيليتين) والأمور هنا لا تقرّرها النوايا الحسنة أو براعة المفاوضين أو الألاعيب والمناورات الساذجة إن حسم هذه القضايا مرتبط بموازين القوى.
ثم يستشرف الحكيم، برؤية مستقبلية ثاقبة، المآل الذي ستتوصل إليه القيادة المتنفذة قائلاً : "هذا هو واقع الحال دون رتوش وألوان زاهية، وفي هذا السياق فإنني أعرف تماما مختلف المناورات التي سيطلقها عرفات لتمويه هذه الحقائق المرّة والترويج لخياره السياسي باعتباره الممر الإجباري الوحيد" واستطرد قائلاً : "إنني أدرك إمكانية المساومة في لحظة ما، ولكن من يخوض في غمار المساومة بقناعة وبرنامج وطني، يجب عليه أن يؤمن باستمرار ويعزّز دائماً عناصر قوّته. ولكنني أعرف، وخندق الثورة يعرف، أن إقامة الدولة وفق السياق الذي أتيت على ذكره جاء لتمرير الصفقة، ويشكل غطاءً لها ذلك مجرد الالتحاق بأوسلو وإلغاء الميثاق وتجويف م.ت.ف وما توالد من أجواء إحباطية وتشكيك بجدوى النضال وفقدان اليقين وقوة المثال ومحاولة ضرب الذاكرة التاريخية، واستبعاد فصائل العمل الوطني الفلسطيني من قوى وشخصيات وجماهير، وضرب التنسيق العربي الرسمي في مدريد، والقبول بمرجعية القوة، والرعاية الأمريكية، هو في جوهره تخلي وضرب للبرنامج الوطني وخذلان للحركة الشعبية وأهدافها الوطنية. الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا بأنه انتقال للخندق الآخر" .
وفي ختام خطابه التاريخي ، حرص الحكيم على مطالبة رفاقه في المؤتمر، بضرورة " تحديد موقف سياسي صحيح وصريح حول القيادة اليمينية يقوم على قاعدة الابتعاد عن التذيل لها أو السماح لها باحتواء الموقف الآخر تحت أية ذرائع. مع استبقاء الباب مفتوحاً لأية تقاطعات ميدانية ونضالات مشتركة يجري توظيفها فعلاً بما يخدم المشروع التحرري بعيداً عن المسار التسووي ونهج السلطة وتكتيكاتها. وفي ذات الوقت الاستمرار بالتحريض الشعبي وتعبئة الجماهير لمواصلة المشروع التحرري، فهدف التسوية الجارية تدمير الأهداف الوطنية الفلسطينية لا تحقيقها كما يجب رؤية المتغيرات الجارية نحو فرض الشرق أوسطية بإقامة العلاقات القائمة على نهب الثروات وفرض التبعية، وخاصة بين( إسرائيل) بإمكاناتها السياسية – الاقتصادية – التكنولوجية، وبين الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية، حيث تتطلع الأولى لمزيدٍ من النهب والتوسّع وشراء أسهم الشركات وتصدير سلع تكنولوجية، ناهيكم عن إتمام التطبيع الاستسلامي الذي يرى في( إسرائيل) جاراً طيباً وفي أمريكاً صديقاً للعرب، وفي التوسّعية (الإسرائيلية )علاقات تجارية...إلخ؛ الأمر الذي يقتضي منا بناء وتوحيد أداتنا التنظيمية - السياسية والارتقاء بها إلى المستوى الذي يمكنها من أن تكون قادرة على ترجمة هذه الشعارات السياسية" .
في هذا المناخ المفعم بالمشاعر الذاتية والموضوعية الصادقة تجاه القائد المؤسس ، إلى جانب المناخ السياسي العام الزاخر بالمتغيرات والتراجعات السياسية الخطيرة التي أصابت الأوضاع العالمية والإقليمية والعربية ، خاصة القضية الفلسطينية في ظل هيمنة التحالف الإمبريالي الصهيوني المعولم، استكملت الجبهة عقد مؤتمرها الوطني السادس ، الذي أصدر وثيقتين هما: الوثيقة السياسية بعنوان " نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة" ، والوثيقة التنظيمية بعنوان "نحو رؤية تنظيمية جديدة" .
ثانياً : الوثيقة السياسية : نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة :
هذه الوثيقة هي خلاصة الحوار والتفاعل الذي شهدته منظمات الجبهة الشعبية في الوطن والشتات والذي توج في المؤتمر الوطني السادس للجبهة. وقد استهدفت هذه الوثيقة الوصول لقراءة منهجية للتطورات السياسية التي شهدها الواقع الفلسطيني منذ انعقاد الكونفرنس الوطني الأول عام 1994 .
وفي إطار هذا الفهم نود أن نلفت النظر إلى عدد من الملاحظات الهامة عند التعامل مع هذه الوثيقة :
أولاً : إن هذه الوثيقة وثيقة علمية في قراءتها للواقع والتطورات وذلك على قاعدة رؤيتنا ودورنا ووظيفتنا الوطنية وفكرنا اليساري التقدمي الديمقراطي.
ثانياً : هذه الوثيقة يجب النظر لها والتعامل معها في إطار تكاملي مع مواقف ورؤية الجبهة التي تتجلى في الوثائق الصادرة عن مؤتمراتها السابقة .
ثالثاً : منذ انعقاد المؤتمر الوطني السادس وحتى اليوم (ما بعد انعقاد مؤتمرنا الوطني السابع) شهدت الساحة الفلسطينية والقضية الوطنية جملة كبرى من التطورات أهمها على الإطلاق الانتفاضة الفلسطينية 28/9/2000، والتي اندلعت دفاعاً عن الحقوق والأهداف الوطنية الثابتة ، حيث قام العدو الصهيوني على أثرها بإعادة احتلال الضفة ، ثم قام في عام 2005 بإعادة الانتشار حول غزة تحت مسمى الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد ، وهذه التطورات وغيرها استوجبت ولا تزال المعالجة السياسية من قبل هيئات الجبهة المركزية .
ففي الفصل الأول بعنوان :لا حلم خارج الواقع ولا مستقبل دون حاضر وماض، تشير الوثيقة إلى "أن عملية أوسلو وما ترتب عليها مرتبطان تماماً ومستغرقان بالكامل في النتائج المادية والمعنوية التي أفضى إليها مجمل الصراع طيلة العقود السابقة، وهذا هو السبب وراء الخطوة المنهجية للجبهة الشعبية، التي ارتأت عند قراءة أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية وفي السياق أزمة الجبهة الشعبية، العودة بالظواهر والنتائج المحققة إلى مقدماتها التاريخية من اجتماعية وسياسية وفكرية...الخ. هذه الخطوة، كانت تعكس قناعة راسخة للجبهة بأن الاستمرار في ذهنية معالجة النتائج دون التوغل في الأسباب، يعني مواصلة الدوران في حلقة مفرغة عدا عن كونه يحمل مخاطر تشويه الوعي، وإشاعة الوهم، ومراكمة الأخطاء، وبالحصيلة، تبديد مزيد من الزمن ومكونات القوة والمستقبل" .
وبطبيعة الحال فإن التفاعل التاريخي –كما تضيف الوثيقة- تتداخل فيه الديناميات الناشئة والمتفاعلة ضمن الواقع المعاش، والتي ترسم اتجاهات المستقبل وتحددها. إنها عملية ترتبط نتائجها بالطريقة والمحتوى اللذين ستدير على أساسهما القوى الاجتماعية والسياسية والأفراد، صراعها الاجتماعي. إنها عملية ذات طابع تاريخي، واعية في بعض جوانبها، ومشروطة بمستوى التطور الاجتماعي/ الاقتصادي في جوانب أخرى" .
من هنا "ضرورة الوعي والتمييز لأبعاد تلك العملية وتشابكها، كونها تحفظ الشفافية والكفاءة المطلوبة لقراءة علمية هادئة لتجاربنا، وبالتالي : يجب أن يبقى ماثلاً في الذهن ونحن نحاول قراءة الواقع الراهن، أن التراجع يحمل أيضاً بعداً إنهاضياً، ويحفل بدروس قيمة، دون احترامها ووضعها تحت الضوء، وتحويلها إلى قوة فعل وإعادة بناء، تتحول إلى قوة استنزاف معنوي ومادي مدمرة. لعل النموذج الأبرز على ما تقدم، هو ما نلمسه ونعيشه اليوم كحزب وحركة وطنية، حيث تبين لنا، أن المشكلة لا تكمن، في حدوث الهزيمة فقط، وإنما فقط في عدم الوصول إلى رؤية فكرية – سياسية تتخطى الهزيمة فكراً وممارسة، وفي حالة العجز التي تلف مختلف تيارات الحركة الوطنية الفلسطينية ومسمياتها" .
وقد قاد هذا الواقع إلى شبه إحباط وشلل، وإلى تدني الثقة بين الكتلة الجماهيرية والحركة السياسية المنظمة من ناحية، وبين الأحزاب وقواعدها من ناحية أخرى، حيث تسود حالة من الإرباك والتذمر واللافعل.
ثم تستطرد الوثيقة بالقول " لقد جاءت صيرورة الأحداث لتضرب في العمق الوهم الذي علق في شباكه كثيرون تخيلوا أن المشروع الأمريكي – الإسرائيلي سيشق طريقه في الواقع الفلسطيني والعربي بسهولة. وقد كشفت العملية السياسية عن أنه كلما تقدم المشروع المضاد واتضحت معالمه، وأخذت أبعاداً ملموسة، كلما تصاعدت المقاومة والمجابهة والممانعة، وجذبت إليها قوى اجتماعية وسياسية شعبية أكثر فأكثر" .
وفي هذا الجانب "فإن وعي تاريخية الصراع وموضوعيته، يضع النقاش ضمن مساره السليم والمنطقي، ويقود حتماً إلى التعامل مع الصراع بوصفه اشتباكاً تاريخياً اجتماعياً، بين الأمة العربية وعلى نحو أخص الشعب الفلسطيني، وبين المشروع الصهيوني الإمبريالي. وهو صراع اجتماعي تاريخي جذري باعتباره يطال الوجود ذاته، وبهذا المعنى فإن الصراع يأخذ أشكالاً نضالية متنوعة بما فيها الكفاح المسلح" .
إن وعي هذه الحقيقة "يسهم في تحسين كيفية التعامل مع المرحلة الراهنة، وتفسير المنعطفات النوعية التي شهدها ويشهدها المشروع الصهيوني – الإمبريالي في كل مرحلة من مراحل تطور الصراع، تاريخياً واجتماعياً" ، هنا نضع الرأي الذي يقول بتاريخية الهزائم، وأن ما نعيشه الآن، "يعود لمجمل النتائج التي تراكمت منذ ما قبل سايكس–بيكو وما بعدها، وحتى الآن. وهي نتائج من طبيعة تراكمية وتصبح ذات ثقل متضاعف مع تقدم الزمن. أكثر من ذلك، فإن بعض مظاهر التخلف التي تعاني منها الشعوب العربية، تحولت مع مرور الوقت إلى دينامية داخلية لها قوانينها الخاصة، التي ما لم يجر كسرها وتخطيها ستبقى تغذي باستمرار حالة التخلف، وتبعاً لذلك الاختلال، وهو الأمر الذي يؤسس بصورة طبيعية لمزيد من الهزائم" .
"إن وعي هذه الحقيقة بعمق، يفرض ضرورة وعي أن عملية الكسر والتخطي محل الإشارة هي عملية اجتماعية تاريخية واسعة، تتخطى مشيئة أحد طرفي الصراع بمفرد، ذلك أن عناصر الصراع وديناميته أشمل وأعقد من الديناميات والعناصر التي تدور عند أحد الطرفين. إنها حصيلة تاريخية مركبة ومتحركة لمجمل عملية الصراع التاريخي التي نقول بها" .
يفرض ما تقدم، "ضرورة إعادة التدقيق بالمسائل، والحذر الشديد عند قراءة واقع الحال الفلسطيني راهناً، وذلك في ضوء ما أفرزته الحياة من حقائق منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، والتي تدل على عمق وأسباب واستمرار الصراع التاريخي. إن ما تقدم يشكل الإطار، الذي يحمي التحليل من الوقوع في مهالك التسرع أو النزق أو الذاتية وأوهام أن بالإمكان قفل باب الصراع، الذي لا ينتهي إلا بانتهاء أسبابه" .
وعن اتفاق أوسلو ، هل هو سلام أم إعادة إنتاج للصراع بأشكال متجددة؟ تقدم الوثيقة إجابتها على هذا السؤال عبر التأكيد على أنه " ليس مطلوباً منا الآن إعادة النقاش في المخاطر والأضرار الجسيمة المتراكمة التي لحقت بالقضية الفلسطينية، جراء اتفاق أوسلو وما تلاه، لأن ما ورد في الوثيقة السياسية الصادرة عن الكونفرنس الوطني الأول عام 1994، بالإضافة إلى ما تناولته وثائق الجبهة الشعبية الصادرة عن هيئاتها الأولى بهذا الصدد وغيرها، أكثر من كاف" . "فقد ألقت القيادة الفلسطينية المتنفذة، بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي، بمعظم أوراق القضية الفلسطينية وأهمها، في خانة الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى ما يزعمه الكيان الصهيوني من استعداد للسلام" ، ما يعني استجابة القيادة المستنفذة في م.ت.ف "لمقتضيات الإستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، وسمحت لديناميات تلك الإستراتيجية بأن تتحكم بها وبخياراتها" .
هذه السياسة البائسة في فهم الصراع وإدارته مع العدو، "هي الوجه الآخر لسياسة بائسة أخرى تجاه الداخل الفلسطيني، والتي تجلت في ذهنية قاصرة، تراكمت تاريخياً لتأخذ شكل بيروقراطية عاجزة ومدمرة، سلاحها الإفساد، وهو ما قاد إلى تبديد كثير من مكونات القوة الفلسطينية، وأدى إلى عدم امتلاك رؤية شاملة وبعيدة النظر لتعزيز البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني في مختلف مواقع انتشاره، من خلال تعزيز البنى التنظيمية والمؤسساتية والإدارية ... لهذا المجتمع" .
وأبرز نموذج على ذلك هو، "عملية تحطيم وتمزيق أهم إطار وطني فلسطيني في الفترة المعاصرة أي م.ت.ف . حيث جرى التعامل معها بصورة محزنة ومؤلمة. إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على قصر نظر السياسة التي مورست، وخفة التعامل مع هذا الإطار الهام، الذي كان من المفروض أن يبقى بمثابة الإطار الوطني الجامع" .
كما "ترافق الواقع المشار له، مع ممارسة لا تقل خطورة وقصر نظر، تمثلت في النظرة الاستخدامية للحركة الشعبية الفلسطينية، مما أدى إلى توسيع المسافة بينها وبين السلطة السياسية، وبالتالي فقدان الثقة بالسلطة التي لم تحافظ على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية وحمايتها، وفي الوقت نفسه لم تدل ممارساتها تجاه المجتمع الفلسطيني، ولو على حد أدنى من الاحترام والثقة، تجلت تلك السياسة وأخذت ثلاثة أشكال أساسية هي : أ- الملاحقة والاعتقال نزولاً عند إملاءات الاحتلال. ب- الانتهازية والاستخدام اللحظي المؤقت للحركة الشعبية. ج- محاولة تكييف المعارضة مع سقف السلطة وسياساتها . وكان من الطبيعي ان تقود هذه السياسة "إلى نتائج خطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية، ذلك أنها ساهمت في تعزيز حالة التمزق والافتراق، وإبقاء أسباب الاستنزاف والانفجارات الداخلية قائمة. كما أفرغت سياسة السلطة، مفهوم الحوار الوطني من مضامينه وركائزه، وبالتالي حولت مسالة الوحدة الوطنية، إلى ورقة مناورة، وليس خطاً سياسياً ناظماً لفعل الحركة الوطنية الفلسطينية بتلاوينها وتياراتها وتنظيماتها المختلفة" .
بناء على ما تقدم، لا تعود المشكلة في هذه الحكومة أو تلك كما يحاول البعض أن يروج، إن المشكلة تكمن بالأساس في طبيعة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للسلام الذي هو في الحقيقة ومن ناحية المنطق والهدف مشروع واحد، وبالتالي فأي رهان على هذه العملية إنما يعبر عن قصر نظر، أو إحباط مأساوي، أو التسليم بقضاء المشروع الأمريكي- الإسرائيلي وقدره.
ما تقدم "يفرض علينا كشعب فلسطيني وحركة وطنية فلسطينية، تعويد أنفسنا وعقولنا بأسرع وقت ممكن على التجذر والمرونة اللازمة، لتلمس واستيعاب أية حركة أو مستجد في الواقع، وأن نخفف من الصخب والضجيج، ونكثف القراءة الدقيقة والفعل المستند لرؤية شاملة ومتماسكة للصراع، الذي لم يعد سراً، أنه صراع على الوجود نفسه ويدور في حيز الواقع ويدار بناء لقانون ميزان القوى" .
ما يعني بوضوح أن " الجديد الذي يفرض نفسه في هذا المجال، هو ما يوجزه السؤال التالي: هل نكتفي بمعالجة أوسلو وما تلاه بمزيد من التشخيص والتحليل وتبيان مخاطره العديدة فقط، أم أن علينا استحقاقاً آخر، هو الدفع بالعقل والممارسة إلى دوائر وميادين لا تتجاوز أوسلو أو تنساه ولكنها لا تستمر عند حدوده وتصبح رهينة له؟ هنا يكمن جذر خلاف منهجي في الفكر والممارسة السياسية" .
ذلك "إن الوقوع في محظور الاكتفاء بالتشخيص وكشف المخاطر، يعني جعل الحزب والحركة الوطنية رهينة دوامة الديناميات التي أطلقها ويطلقها مشروع أوسلو. بكلمة أخرى، العمل بموجب سياسة رد الفعل، مما يتيح للعدو الاحتفاظ بزمام المبادرة ويسهل عليه إدارة الصراع لتحقيق مزيد من الأهداف دون مواجهة منظمة وقوى موحدة، تستند إلى رؤية واضحة شاملة وممارسة إيجابية تعرف ماذا تريد في ظل الظروف المستجدة ومعطيات الواقع التي أصبحت محدداً قسرياً للصراع الدائر وكيفية إدارته" .
لذلك ، فإن المطلوب هو "الارتقاء بالرؤية والممارسة من مستوى المناهضة الدعاوية، أو ردود الفعل المتفرقة إلى مستوى المجابهة الفعلية، بمعنى تقديم البديل التاريخي الشامل، أي مجابهة مشروع أوسلو بمشروع نقيض كامل، يتيح الفرصة للمبادرة واستثمار كامل عناصر القوة، من فاعلة وكامنة، على قاعدة التواصل والقطع في الصراع في آن معاً. التواصل مع الماضي بما يمثله من أهداف وحقائق تاريخية وطنية وقومية، والقطع مع الثغرات والأخطاء في الرؤية والممارسة الفكرية والسياسية والعملية" .
إن ما تقدم هو الطريق الوحيد المفضي إلى تركيم عناصر التقدم وتقليص المسافة بيننا وبين العدو، تمهيداً لتحقيق انتصارات أو فرضها.
بكلمة محددة، "ليس المطلوب منا استمرار إعادة قراءة الماضي إلى ما لا نهاية، أو صياغة برنامج لمدى غير منظور. إن تقرير أمر مكاننا ومكانتنا يجب أن يبقى بعيداً عن الهروب إلى الخلف أو إلى الأمام. مكاننا ومكانتنا هي في قلب الواقع والحدث" ، وبهذا المعنى "فنحن أمام عملية محددة تستدعي رسم رؤية سياسية وتنظيمية – اجتماعية وفكرية، وبناء لما هو متوفر من تجربة تاريخية متراكمة، ووقائع المرحلة على تنوع مفرداتها، الشاملة والموزعة على كل المستويات" . دون ذلك، نفتقد لأهم شرط من شروط امتلاك الرؤية العلمية والقدرة على تحديد البرامج الملائمة انطلاقاً مما هو موجود لتحقيق ما هو مطلوب.
أما بالنسبة لأبرز المعطيات – المحددات التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار بوصفها سمات أساسية للمرحلة، فالوثيقة تحصرها في خمسة معطيات:
المعطى الأول : أن السمة الأساسية للمرحلة هي التراجع والانكفاء/ الدفاع، فيما المشروع النقيض في حالة هجوم.
المعطى الثاني : ويستعرض أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث تؤكد الوثيقة على أن الهزيمة كشفت عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالحركة الوطنية الفلسطينية، والتي هي من طبيعة تاريخية تراكمية، أسفرت عن نتيجتين أساسيتين :
1- استسلام القيادة الرسمية وخضوعها لمشروع التسوية الأمريكي – الإسرائيلي.
2- عجز قوى المعارضة، وتفاقم أزمتها متمثلة بعدم قدرتها على بلورة ولعب البديل الوطني القادر، من خلال توحيد صفوفها على أساس برنامج وطني مشترك يعبر عن نفسه بأطر تنظيمية وسياسية بما يؤمن الشرعية وبالتالي المرجعية البديلة عن القيادة التي تخلت عن البرنامج الوطني.
المعطى الثالث : ويتناول موضوع التناقض الرئيس والتناقضات الثانوية، حيث تطرح الوثيقة : "إن التناقض الرئيسي كان ولا يزال مع الاحتلال والشرائح المرتبطة به وتتم مواجهته بالمقاومة، وذلك بحكم طبيعة المرحلة باعتبارها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي كون أهداف وحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية لم تتحقق".
أما المعطى الرابع : فيتناول الواقع العربي الذي " بدأ يشهد حالة صراع بين القوى الدافعة في المشروع الأمريكي – الإسرائيلي، والقوى المتصدية لهذا المشروع. حيث يشهد الوضع العربي حالة من الحراك والتناقض الذي يتمظهر في مستويات مختلفة :
المستوى الأول : التناقض المتصاعد بين سياسة النظام الرسمي العربي الذي يميل للمهادنة وميوعة المواقف تجاه سياسات الحلف الأمريكي – الإسرائيلي وبين طموحات وأهداف الجماهير العربية .
المستوى الثاني: التناقض بين أهداف المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للتسوية والحد الأدنى من الحقوق والمصالح القومية والوطنية للشعوب العربية .
المستوى الثالث : اتضاح حقيقة الدور الأمريكي في عملية التسوية والذي يقوم على تطويع مواقف الأنظمة العربية والطرف الفلسطيني والضغط عليها، بما يستجيب لشروط المواقف الإسرائيلية .
المعطى الخامس : ويتناول البعد الدولي حيث تشير الوثيقة إلى "تباين السياسة الأمريكية والرؤية الأوروبية لحل الصراع : مع أن التباين بين السياستين الأمريكية والأوروبية لم يصل إلى مستوى المواجهة بينهما " .
وحول مفهوم المرحلة وإدارة الصراع: ترى الوثيقة أن " شرطاً أولياً لإدارة الصراع على نحو فعال ونشط يكمن في القدرة على رؤية لوحة الصراع أو "مسرح العمليات" إن جاز التعبير، بشكل كامل ودقيق" .
كما تتوقف القدرة على امتلاك رؤية سليمة ودقيقة، ضمن هذا الواقع المتشابك والمعقد والمتحرك، على توفير شروطها ومعاييرها، وعلى رأس هذه وجود أداة فكرية - سياسية – تنظيمية قادرة على تلبية الشروط الواجبة، بما يستدعيه ذلك ويقتضيه من مناهج تفكير وذهنية علمية وتغذية معرفية سليمة ومتواصلة، تشمل مختلف جوانب الواقع التاريخية والراهنة، ومختلف المستويات السياسية – الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية .
إن تطوير الخطاب والأداء السياسي والميل للإيقاع الهادئ، ليس إلا حصيلة لمزيد من العمل والثقة بالذات وانعكاساً للارتقاء فكرياً وعملياً. يشترط ما تقدم، إحداث تغير نوعي في معايير الأداء، بحيث ترتقي إلى مستوى الصراع واستحقاقاته، وهذا لن يكون لنا إلا إذا استندت تلك المعايير إلى احترام المعرفة والعلم والعمل والزمن وبحيث يجري استثمار كل مكامن القوة الهائلة والكامنة في المجتمع .
ضمن هذه الشروط، يمكن الارتقاء بالممارسة السياسية والفكرية والنضالية للجبهة، والانتقال من مستوى رد الفعل السلبي والعفوي، إلى مستوى الفعل الإيجابي الذي لا طريق له إلا عبر امتلاك رؤية سياسية إيجابية. وبذلك فقط يمكن أن يتم تخطي الدوامة الخطيرة التي تَمَكَّنَ الاحتلال الصهيوني بواسطتها من البقاء في موقع المبادر، واستطراداً المتقدم علينا دائماً. وفي دعوة صريحة وجادة لخروج الجبهة من أزمتها ، تخاطب الوثيقة كافة الرفاق بأنه قد " آن الأوان ليتجاوز الأداء السياسي والاجتماعي حال الارتباك والعجز والحيرة، وهذا ممكن علمياً إذا كانت لنا رؤيتنا الخاصة للصراع ولموازين القوى، وقمنا بناء عليها، برسم خطوط مواجهة تتلاءم وما نملكه من عناصر قوة، بهذا نحرم الحلف المعادي من حرية المناورة، ونقل المواجهة كما يريد ومتى يريد وحيث يريد. بالاستناد لهذا الفهم، وليس الاكتفاء فقط برفض ما يتقدم به الآخر، أي "الممانعة" على أهميتها. لقد آن الأوان لتحويل الممانعة إلى صراع" .
فما دام المشروع الصهيوني يهدد كل جوانب حياة المجتمع الفلسطيني، إذن المواجهة معه يجب أن تجري عند كل جانب وفي كل زاوية تتبدى المساحة الشاسعة للصراع في :
حق العودة - الدولة - القدس – السيادة - إزالة الاستيطان – المياه – الاستقلال الاقتصادي – الزراعة – حماية المؤسسات الوطنية المدنية – التعليم – الصحة – الرياضة – التنمية – الصناعة – التراث – الآثار – الحريات – البيئة – القانون – الموسيقى – السينما – المسرح – الأدب – العمل – الثقافة – التاريخ – العمارة – حرية المرأة – حقوق الطفل ..الخ. حيث يحتاج كل واحد من هذه العناوين إلى آليات وبرامج وكفاءات خاصة تتلاءم مع كل خصوصية من خصوصيات هذه العناوين، وعلى رأسها تعدد التجمعات الفلسطينية.
خلاصة القول –حسب الوثيقة- "أننا أمام لوحة واسعة متناقضة، ونشطة، متحركة ومفتوحة بالكامل على المستقبل ولنا بها بمقدار ما علينا. وبناء عليه، فمن غير الممكن التعامل معها بنجاح وبصورة متحركة باستمرار، دون وعيها على نحو كفؤ وشرط ذلك، امتلاك عقل ورؤية تصل إلى مستوى استيعاب كل حركية وتناقض ونشاط لوحة الصراع بكل أبعادها ومستوياتها الممتدة في المكان والزمان والوجدان، والتي تحكم المرحلة بما هي مرحلة تحرر وطني وديمقراطي ببعديها التحرري والاجتماعي في آن" .
وبهذا –كما تضيف الوثيقة- "تتكامل النشاطات والمبادرات الموقعية أو الاجتماعية/ الفرعية مع الأهداف العامة العليا الإستراتيجية، ويتحول الفعل الديمقراطي الاجتماعي إلى جزء عضوي من مشروع سياسي أشمل، وهو الشرط الضروري لحماية الحزب والحركة الوطنية من خطرين هما" :
(1) خطر : الانعزال في المباشر أو الخاص، أو ألمطلبي.
(2) خطر : التهويم عند الاستراتيجي أو المجرد، أو السياسي العام.
ضمن هذا الأفق، يمكن التأسيس لحركة شعبية واسعة ذات مضمون اجتماعي – ديمقراطي منظم.
وبناء على ما تقدم ، فإن مفهوم الصراع الاجتماعي الديمقراطي –كما تؤكد الوثيقة- يأخذ ترجمات متنوعة وشاملة لأبعد حد، ويشكل مدخلاً أساسياً لإعادة الاعتبار لبرنامج البديل الوطني الديمقراطي، ذلك أن التمايزات على صعيد العنوان السياسي بين تيارات قوى المعارضة تبقى متقاربة، بينما التمايز الجدي بالنسبة لنا في الجبهة يتجلى في البرنامج الاجتماعي الاشتراكي من منطق الرؤية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي.
لهذا فإن قدرتنا في الجبهة على صياغة برنامجنا الاجتماعي على أساس ديمقراطي تقدمي، وعلى أساس معطيات الواقع، وقدرتنا على استعادة دورنا في المجتمع سيشمل اختباراً حقيقياً لجديتنا وفعاليتنا، وهذا غير ممكن بدون إعادة نظر جدية في خطابنا وممارستنا، وبدون إعادة بناء جدية على الصعيد الفكري/الثقافي لمفاهيمنا السياسية الاجتماعية،والأيديولوجية، بحيث يصبح في مقدورنا التأثير الملموس والمتدرج، لإحداث إزاحات حقيقية في موازين القوى الاجتماعية وبالتالي السياسية داخل المجتمع الفلسطيني، وبهذا الفهم يمكن لبرامجنا على صعيد العمال، والفلاحين، والعاطلين عن العمل، وعلى صعيد الاقتصاد، الصناعة ، الزراعة، المياه، كما على صعيد الشباب و المرأة والمهنيين.... إلخ ، أن لا تظل أفكاراً مجردة معزولة عن أعضاء حزبنا وعن القطاعات الشعبية ذات العلاقة من أبناء شعبنا، وإنما تصبح برامج مقبولة من جميع الأوساط إذا ما أعددناها وفق منهجية علمية متخصصة تستند إلى حقائق المجتمع وفق كل اختصاص ، وبهذا المنهج والأداء التطبيقي له سنحقق الربط الجدلي بين مختلف جوانب العملية النضالية ببعديها الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي من ناحية والربط الجدلي والموضوعي بين الواقع الفلسطيني والواقع العربي القومي ببعده الأممي من ناحية ثانية .
هكذا تتكامل النشاطات والمبادرات الموقعة أو الاجتماعية مع الأهداف العليا/ الإستراتيجية، ويتكامل الآني مع البعيد والخاص مع العام، ويتحول الفعل الديمقراطي الاجتماعي إلى جزء عضوي من مشروع سياسي أشمل، وهو الشرط الموضوعي لحماية الحزب والحركة الوطنية من خطرين
- خطر الانعزال في المباشر أو الخاص أو ألمطلبي، وخطر التهويم عند الاستراتيجي أو المجرد أو السياسي العام.
أما فيما يتعلق بسؤال "منظمة التحرير الفلسطينية ...إلى أين ؟ فإن الوثيقة السياسية – الصادرة عن المؤتمر الوطني السادس – تذكرنا بالمنطلقات التي حددتها الجبهة الشعبية تجاه هذا العنوان في وثيقة الكونفرنس الوطني الأول الصادرة في حزيران عام 1994، المشار إليها في هذه الدراسة ، ثم تؤكد الوثيقة على أنه " بدلاً من أن تصبح م.ت.ف إطاراً لجذب الطاقات المادية، والكفاءات المعنوية لعموم الشعب الفلسطيني، وتدار على أساس رؤية وطنية ترتقي إلى مستوى الصراع المفتوح مع الاحتلال، جرى تحويل المنظمة بفعل السياسة القاصرة إلى مجرد إطار تستخدمه القوة المهيمنة لتوفير الشرعية لخياراتها وبرنامجها الخاص" .
وفي المقابل كما تضيف الوثيقة "لم تتخط قوى المعارضة على تلاوينها المختلفة، هذا الخلل المنهجي، وإن كان خطابها وبعض ممارساتها يعاكسان أو يتقدمان نسبياً على ممارسة القوة الأولى لو تجاوزنا الاستثناء، فإن المظهر الرئيسي لفكر قوى المعارضة وممارستها كان الانضباط، بوعي أو بدونه، لأصول اللعبة كما صنعتها وكانت تديرها القوى المهيمنة، وتعاملت مع المنظمة كإطار لتنظيم عمل الفصائل وعلاقاتها، وبالتالي استنزاف الصراع على "الكوتا" بينما وظيفة المعارضة ودورها هو كبديل ديمقراطي تاريخي شامل قولاً وفعلاً، ولم تقصر القيادة المتنفذة في استخدام عجز وضعف وتشتت المعارضة لتعميق حالة الاستنزاف تلك" .
وتستنتج الوثيقة بصورة موضوعية "إن استمرار حالة التبديد من قبل فريق أوسلو لهذا المنجز الوطني الاستراتيجي إنما يدل على أنه ما زال على إصراره ولم يتعلم الكثير أو حتى القليل. يتمثل ذلك باستمرار الذهنية الفردية وسياسة الهيمنة الفئوية، المترافقة مع سياسة تهميش متدرج لدور ومؤسسات م.ت.ف" .
في ضوء ما تقدم، تحذر الوثيقة من " اعتبار م.ت.ف إطاراً أدى دوراً ووظيفة في مرحلة معينة، والآن استنفذت ذاتها، ووصلت إلى طور السقوط والتلاشي. إن التسليم بهذا الخيار يؤدي إلى التقاطع مع هدف الاحتلال لتصفية المنظمة، إضافة أنه يضرب بصورة نهائية المضمون الأساسي للمنظمة كمعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني وكيانيته الشرعية" .
لكن بقاء الحال على ما هو عليه، وترك المسألة برمتها تحت رحمة الواقع –كما تضيف الوثيقة - فإن النتيجة إفساح المجال أمام المشروع الإسرائيلي لتصفية المنظمة دون مقاومة من ناحية، وتركها تحت رحمة وهيمنة الفريق المتنفذ من ناحية أخرى.
نلاحظ في هذا الجانب ، أن الجبهة الشعبية ما زالت تنطلق في تعاملها مع م.ت.ف ، بأنها وبالرغم من كل ما لحق بها، "لا تزال تمثل شعبياً وقانونياً إطاراً وطنياً جمعياً، ومعبراً معنوياً وكيانياً عن وحدة الشعب الفلسطيني ، الأمر الذي يعني أن المنظمة تبقى معبراً عن معاني ومضامين وحدة الشعب السياسية، وبالتالي فهي ومضامينها ميدان لصراع القوى السياسية، دون أن يصل ذلك الصراع إلى حدود المساس بها كوجود قانوني وإطار مؤسساتي عام" .
حيث يوفر الأخذ بهذا الخيار، "ديناميات متعددة الأبعاد والمستويات، لأنه يبقي موضوع م.ت.ف ميداناً للصراع مع العدو ومجابهته والتصدي لسياساته التي تستهدف تصفيتها وشطبها، كما أنه يحافظ على الاستمرارية وعدم القطع مع م.ت.ف، كمنجز وطني، وبرنامج تحرري وميثاق ومعبر مؤسساتي وقانوني عن وحدة الشعب الفلسطيني، واستثمار ما تحظى به من شرعية عربية ودولية، بما يخدم الشعب الفلسطيني، ومشروعه الوطني ومصالحه العليا" .
كما يفتح هذا الخيار أيضاً " المجال لتشديد المجابهة ضد التنازلات، ومصادرة إرادة الشعب واحتكار قراره من قبل فريق السلطة، و يشكل عنواناً لاستمرار مصارعة "شرعية" اتفاقات أوسلو وما ترتب عليها من مؤسسات، تحاول مصادرة شرعية وصلاحيات م.ت.ف" .
يستدعي ما تقدم "تحويل موضوع منظمة التحرير إلى ميدان مجابهة ضد نهج يبدد دورها ومكانتها، ويواصل توظيفها بصورة استخداميه لخدمة خيار أوسلو، وهو ما يصب في خدمة محاولات الكيان الصهيوني شطب المنظمة وإنهائها. إذن فإن التعامل مع م.ت.ف مسألة متحركة ترتبط بمدى التزام المنظمة بالثوابت الوطنية الفلسطينية والدفاع عنها" .
وهذا يفرض بالضرورة مغادرة مناهج التفكير والممارسة السابقة لقوى المعارضة على هذا الصعيد، بما يعنيه ذلك من ضرورة الانتقال لمناهج عمل أكثر فاعلية تحول م.ت.ف إلى عنوان لمواجهات ملموسة تشارك بها القوى الاجتماعية والسياسية في مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني.
وإن السياسة الفعالة والمجدية، هي سياسة تحشيد القوى حول مهمة وطنية مباشرة هي أن: "م.ت.ف بما تمثله من ميثاق وطني وبرنامج تحرري هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. يشكل هذا الشعار/ الهدف أساس علمي وواقعي لجذب قوى اجتماعية وسياسية فعلية لميدان المواجهة، وبالتالي يفتح الآفاق لإدارة العملية وممارسة الصراع على أكثر من مستوى وصعيد" .
هكذا تنتقل المواجهة من المستوى السياسي إلى المستوى الاجتماعي الشامل لعموم الشعب الفلسطيني. وبالتالي فإن المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، "تأطير هذه العملية عبر بنى تنظيمية باسم الدفاع عن م.ت.ف، والضغط على القوة المهيمنة على المنظمة ومطالبتها بوضوح الوفاء بالالتزامات والحقوق التي تقرها لوائح ودساتير م.ت.ف للقوى الفلسطينية الأخرى والتي لا يحق لأي جهة مهما كان حجمها التصرف بها أو مصادرتها أو سوء استخدامها" .
وتحت عنوان /سؤال " الوحدة والحوار الوطني شكل أم مضمون؟" تنطلق الوثيقة في هذا الجانب من تحليلها للمرحلة الراهنة باعتبارها " مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، وبالتالي فإن التناقض الرئيسي يبقى وباستمرار ضد الاحتلال ومشاريعه وسياساته. ويأخذ النضال الوطني الفلسطيني شكلاً ومضموناً، صورة الصراع الاجتماعي/ السياسي التاريخي كجزء عضوي من صراع عربي - صهيوني – إمبريالي أشمل .
في ضوء ما تقدم، فإن كل واقع وأي مشروع سياسي/ اجتماعي، محكوم بديناميات تعكس بصورة مركبة حركة العلاقات ما بين التناقض الرئيسي كناظم، وبين التناقضات الثانوية، ضمن مبدأ التراكم والاستمرارية وتكامل العوامل.
ما يعني –كما تستنتج الوثيقة- أن " النجاح في مواجهة الاحتلال، مشروط بالقدرة على توحيد الطاقات الفلسطينية، واستثمار كل مكونات القوة لدى الشعب الفلسطيني، بأعلى درجة من الفائدة والكثافة. وفي هذا المجال فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هناك مهمة أخرى لها أولوية تتقدم الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني، في ظل المخاطر التي تتهدد وجوده؟ وهل بالإمكان تحقيق هذا الشرط دون اتضاح رؤية مسنودة بممارسة وأطر ملائمة لتوحيد حركته الوطنية؟" .
تبدو الإجابة على المستوى النظري سهلة وبديهية –كما تؤكد الوثيقة-، "لكنها سرعان ما تغدو مشكلة حقيقية، عندما تنتقل إلى الواقع. والمشكلة هنا ليست مفتعلة بتاتاً، في ظل اختلاف المناهج والخيارات السياسية، التي يتقدم بها كل واحد من تيارات الحركة السياسية الفلسطينية، على تعددها ارتباطاً بما تعكسه تلك التيارات وتمثله من أبعاد طبقية وأيديولوجية ومستويات تطورها، إضافة لما تمثله من وزن فعلي في الواقع الفلسطيني" .
وفي هذا السياق، تقول الوثيقة "أخذ الميل نحو الوحدة، تجليات وجدانية نفسية اجتماعية سياسية فكرية كثيفة جداً، في محاولة لتعويض اهتزاز الأسس المادية والاجتماعية وقطع السياقات الطبيعية لتطور المجتمع الفلسطيني. أخذ مفهوم الوحدة الوطنية في الممارسة السياسية لفصائل العمل الوطني الفلسطيني، شكل الائتلاف السياسي لتلك الفصائل، على أساس برنامج الإجماع الوطني. في ضوء تقاطع واختلاف التنظيمات الفلسطينية، وثقل كل منها ودوره على صعيد موازين القوى الداخلية والخارجية، وهنا يتمظهر جذر الإشكالية التي تعاني منها مسألة الوحدة الوطنية، أي التشابك بين مفهوم الوحدة الوطنية، كتعبير عن حالة نفسية وجدانية، اجتماعية متجذرة، وبين الوحدة الوطنية باعتبارها شكلاً محدداً لتأطير القوى السياسية، في لحظة سياسية تاريخية محددة، لتحقيق أهداف محددة، أو برنامجاً محدداً، أو لمواجهة خطر أو مشروع يهدد مصالح الشعب الفلسطيني" .
إن هذه الإشكالية ، تصبح من وجهة نظر الجبهة الشعبية " أكثر اتساعاً ومثاراً للارتباك في ظل التشابك بين مفهوم الوحدة الوطنية وبين م.ت.ف ، حيث تم التعامل مع المنظمة بمستوى معين، وكأنها الإطار التنظيمي السياسي والترجمة العملية لمفهوم الوحدة الوطنية. بناء عليه، فإن أول مهمة تفرض نفسها هي القيام بعملية فض اشتباك بين هذه المفاهيم والأبعاد والأطر، بحيث يتحدد أولاً مفهوم ودور ومكانة كل من م.ت.ف، الوحدة الوطنية، آخذين بعين الاعتبار أن م.ت.ف بما تمثله من ميثاق وبرنامج وطني تحرري، وبما هي تعبير رمزي ومادي عن الهوية والكيانية الفلسطينية، فإنها تشكل الإطار الوطني المعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني. وبهذا المعنى، وبرغم كل ما أصابها، فإنها تبقى إطاراً وتعبيراً عن الأهداف الوطنية العليا، يجد فيها الشعب الفلسطيني وجدانه ومثله العليا وميله الطبيعي للتوحد" .
أما الوحدة الوطنية كمفهوم للقوة، فإنها تجد ترجمتها في إطار سياسي وتنظيمي ثابت نسبياً لتوحيد فعل القوى السياسية الفلسطينية أو أغلبها في كل مرحلة على أساس برنامج مشترك محدد، أو لمواجهة أخطار محددة، وبالتالي فهي إطار متحرك، وهي ملزمة وقائمة بقدر ما تبقى القوى المشاركة فيها ملتزمة بالبرنامج المحدد، وبالتالي " فإن إطار الوحدة الوطنية لا بد وأن يكون، وبحكم منطق الأمور في حالة حركة صعوداً أو هبوطاً. وبما أن الصراع مستمر، والاشتباك مع الاحتلال ومشاريعه وسياساته متواصل، فإن الوحدة الوطنية تصبح في كل مرحلة من مراحل الصراع هدفاً وطنياً مركزياً، لأن الدفاع عن مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني عموماً أو أحد تجمعاته، يستدعي منطقياً توحيد كافة القوى على قواسم مشتركة هي برنامج الحد الأدنى المشترك" .
وهنا يتجلى وعي الجبهة الشعبية لمفهوم الوحدة الوطنية كمبدأ، ومن الناحية النظرية، حيث "يرتقي هذا المفهوم إلى مستوى الهدف الوطني، على ذلك، يأخذ مفهوم الوحدة الوطنية أبعاداً نظرية وعملية متشابكة ومتحركة، فهي هدف ووسيلة، سبب ونتيجة في ذات الوقت.
إذ "أن فهم الوحدة الوطنية على أساس هذه الأبعاد، ينقلها من مستوى الفهم التنظيمي أو الفصائلي الضيق إلى مستوى أشمل وأرقى أي باعتبارها ناظماً وطنياً لخوض الصراع" .
بناء عليه، وربطاً به ، فإن المشكلة لا تعود في المشاركة أو المقاطعة، وإنما في فهم الحوار وتحديد ما تريد كل قوة سياسية منه. هكذا يغدو الحوار جزءاً من سياسة عامة تستجيب لمتطلبات العمل الوطني، وبوصفه آلية للوصول إلى قواسم وطنية مشتركة" .
وعند هذه النقطة ، تحذر الوثيقة من " أن التعامل مع هذه العملية بخفة، سيؤدي إلى خلل عميق في إدارة التناقضات الداخلية، مع ما يترتب على ذلك من استنزاف وتآكل القوة الداخلية، الأمر الذي يعني موضوعياً تعميق حالة الضعف، وتقديم خدمة مجانية للاحتلال. تأخذ العملية المشار لها مدىً خطراً، في ظل الحالة الراهنة في الواقع الفلسطيني، حيث تتضاعف جهود الاحتلال لمواصلة اختراق الجسم الفلسطيني، وفرض مزيد من التنازلات السياسية عليه" .
أما القسم الخامس من الوثيقة ، وهو بعنوان "بصدد مفاوضات ما يسمى بالحل النهائي" حيث يشير إلى أنه "بعد مرور عشر سنوات على مؤتمر مدريد، وما ترتب عليه من اتفاقيات وتفاهمات بدءاً من اتفاقات أوسلو مروراً باتفاقيات القاهرة - باريس الاقتصادي - الخليل – شرم الشيخ – واي بلانتيشن – وشرم الشيخ الثانية إضافة لاتفاقية وادي عربة مع الأردن. اتضحت معالم التسوية كما يراها ويريدها الحلف الأمريكي – الإسرائيلي" .
وفي السياق ذاته عمل الحلف المعادي على فك ارتباط القضية الفلسطينية ببعدها العربي. كما استخدم الاحتلال فترة العشر سنوات الماضية لاستنزاف الواقع الفلسطيني ودفعه بصورة متواصلة إلى خط التنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية وإيصاله إلى لحظة يوافق فيها الفريق الفلسطيني المفاوض على المطالب والشروط الإسرائيلية .
وهكذا نستطيع القول أن اتفاقات أوسلو قد استنفذت أهدافها المحددة، ويحاول الآن الكيان الصهيوني وبدعم أمريكي شامل، فرض تسوية نهائية يتم عبرها ضرب ركائز القضية الفلسطينية الأساسية: حق العودة – تقرير المصير – القدس – والدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة. وبهذا المعنى فإن الاحتلال يحاول بكل طاقته توظيف ما راكمه من إنجازات خلال العقود الماضية بهدف ترسيخ الاحتلال ومشاريعه .
وبهذا يكون قد قام بتصفية ثوابت القضية الفلسطينية كقضية حقوق تاريخية وكقضية تحرر واستقلال. ومن خلال هذه السياسة وهذه الرؤية يتم تكريس المشروع الصهيوني كمشروع هيمنة وسيطرة في قلب العالم العربي .
وفي هذا الإطار كما تضيف الوثيقة " فإننا نرى بأن القضية الفلسطينية قد وصلت - نتيجة لسياسات المهادنة والتنازل – إلى مفترق طرق حاسم، يهدد فعلاً الحقوق الوطنية ويفتح المجال ليحقق المشروع الصهيوني المزيد من الانتصارات والإنجازات على حساب الشعب الفلسطيني ومصالحه القومية والوطنية العليا".
بناءً على ما تقدم فإن الجبهة الشعبية ترى بأن مفاوضات ما يسمى الحل النهائي ما دامت تقوم على قاعدة الربط بين اتفاقيات أوسلو والحل النهائي، وعلى قاعدة إبقاء عملية التفاوض مستمرة على أساس مرجعية التفرد الأمريكي – الإسرائيلي وبعيداً عن مرجعية قرارات الشرعية الدولية، وقرارات المجالس الوطنية وبرنامج الإجماع الوطني فإنها لن تقود لنتائج تفضي إلى نيل حقوقنا الوطنية الثابتة، عدا عما تحمله من أخطار المساومة عليها. وعلى هذا الأساس فإن الجبهة الشعبية تدعو إلى ما يلي :
أولاً : اعتبار اتفاقات أوسلو وما ترتب عليها من ترجمات قد انتهى عمرها الزمني، وبالتالي فليس هناك علاقة بين أوسلو ومفهوم الحل النهائي.
ثانياً : إن مرجعية الحل المرحلي للقضية الفلسطينية يجب أن تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية وتنفيذها بالكامل من قبل الكيان الصهيوني.
ثالثاً : التمسك بالقرار 194 كأساس قانوني لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.
رابعاً : إن الحل النهائي كما نفهمه يقوم على ضمان حقوق شعبنا الكاملة في العودة والاستقلال والسيادة وبالتالي فإن أي مساس بحق العودة، أو عروبة القدس، أو بقاء المستوطنات، أو منح الاحتلال حرية التحرك واستخدام أراضي الدولة الفلسطينية لأغراض أمنية وعسكرية يمس بمفهوم ومعايير السيادة والتحرر، وبالتالي فإنه حل يستدعي المقاومة والنضال بمختلف الأشكال.
وهذا يطرح على قوى المعارضة بمختلف تياراتها، استحقاقات تحشيد طاقاتها، وتنظيم فعلها، وتأطير أدائها، للدفاع عن الحقوق الوطنية مع تركيز خاص في هذه المرحلة على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وقضية القدس كعناوين مركزية للصراع.
وفي سبيل ذلك، تؤكد الجبهة -حسب الوثيقة- بوضوح على أن أشكال النضال " السياسية – الاقتصادية – والعسكرية – والفكرية في ظل معطيات الحالة الفلسطينية مفتوحة على كل الأساليب بدون استثناء، التي تكفل الدفاع عن الحقوق العربية والفلسطينية واستعادتها" .
بالاستناد إلى ما تقدم، كما تستطرد الوثيقة "نتخطى الفكر المأزوم أو المهزوم الذي يعتبر أن مرحلة الكفاح المسلح قد انتهت وجرى دفنها، وارتباطاً بذلك انتهاء مرحلة التحرر الوطني، الأمر الذي يعني الانتقال إلى مرحلة جديدة كلياً، هي مرحلة البناء الاجتماعي الديمقراطي، أما ما تبقى من حقوق وطنية فقد تم حصر السعي لتحقيقها ضمن الأطر الدبلوماسية والمفاوضات السلمية والشروط والأطر القانونية التي تمت صياغتها في الاتفاقات التي عقدت حتى الآن، إذ أن هذه السياسة تدلل من جانب على عدم امتلاك رؤية صحيحة للصراع وذلك ارتباطاً بشروطه وعناصره الموضوعية، ومن جانب آخر، على عدم فهم طبيعة العدو ومشاريعه السياسية على نحو سليم، وهو الأمر الذي قاد إلى وضع حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية تحت سقف الشروط التي صاغها وفرضها الاحتلال" .
وخلاصة القول، "إن طبيعة الصراع، تتخطى السياسات القاصرة وما يحكمها من ممارسات سياسية وفكرية باهتة وارتجالية إلى رؤية سياسية شاملة تقرأ لوحة الصراع جيداً وتدير العملية بصورة واعية على أساس مبدأ التركيم والاستمرارية والتكامل وتفعيل كامل الطاقات الكامنة" .
إن الأخذ بهذه الرؤية لا يعني الفوضى أو الارتجال بتاتاً، ذلك أن تحديد الأسلوب والشكل الملائم للنضال، يشترط رؤية اللحظة السياسية وما يحيط بها من ظروف، ويحتاج لإدارة سليمة وواعية لما هو متوفر بين يديها من إمكانات.
وهنا تشير الجبهة الشعبية بوضوح إلى "أن ما تقدم يجب أن يفهم انطلاقاً من بديهية أساسية ألا وهي أن قدسية أي شكل من أشكال الكفاح هي بالقدر الذي يخدم فيه المشروع الوطني في المكان المناسب والزمان المناسب. يعني هذا، أن يكون التعامل مع أسلوب الكفاح المسلح في كل مرحلة باعتباره وسيلة في خدمة الرؤية السياسية الشاملة، التي يعود لها أمر تحديد الوظيفة التي يجب أن يؤديها في كل مرحلة من مراحل الصراع، وبما يتلاءم مع كل خصوصية من خصوصيات الشعب الفلسطيني، أي أن وظيفته متحركة باستمرار تبعاً لحركة الصراع .
وفي تناولها لمفهوم ومضمون البديل، تطرح الوثيقة السؤال الجوهري التالي : هل نحن في الجبهة أمام مشروع ديمقراطي شامل أم إعلان سياسي للتاريخ؟ تقدم الوثيقة إجابة تحمل في طياتها حسماً سياسياً ومعرفياً عبر العلاقة الجدلية والعضوية بين البعدين الوطني والقومي معاً، وذلك في تأكيدها على " أننا أمام عملية تاريخية هائلة الزخم، وصراع شامل يطال أبعد الزوايا وأدقها. رغم تركز الصراع وكثافته في فلسطين بحكم اختيارها كمنطقة "إنزال" للمشروع الإمبريالي – الصهيوني في قلب العالم العربي، إلا أن أهداف ذلك "الإنزال" الاستعماري التاريخي أبعد وأشمل من ذلك بكثير" .
وبهذا المعنى، يغدو الصراع حتى ولو كان عنوانه تحرير فلسطين، صراعاً من أجل تحرير الأمة العربية، وتأمين شروط وعناصر نهوضها المادية والثقافية، وبما أن نتائج الصراع التاريخي تتقرر في ضوء قدرة كل طرف على تركيز وتركيم مكونات القوة الشاملة، لإحداث الإزاحات الملائمة في ميزان القوى، فإنه يغدو بحكم البديهة العلمية اعتبار عامل الحسم في الصراع هو العامل الداخلي، إذ أن هذه العملية التاريخية ببعديها الوطني – التحرري، والاجتماعي – النهضوي، هي عملية واحدة تجري في ذات الوقت، ويستحيل عملياً فصل أحد البعدين عن الآخر" .
كما "تستدعي حالة التشابك المشار لها بتجلياتها وتفاعلاتها وحركتها، مستوى راقٍ من الإدارة والأداء والقيادة. وعقلاً قيادياً يملك شروط المعرفة والكفاءة للتعامل مع صيرورات الصراع واستحقاقاته. وفي هذا السياق، يمكن فهم محاولة هذه الوثيقة للارتقاء بالنقاش والفعالية الفكرية إلى مستوى هذه العملية السياسية – الاجتماعية الشاملة، وبالتالي إنضاج رؤية قادرة على قراءة المرحلة بكل أبعادها ارتباطاً بالمصالح الوطنية والقومية العليا" . وكل ذلك مشروط بقدرتنا على تجاوز ومجابهة عوامل وظواهر " تزوير وتجويف الإرادة الشعبية، وتمرير مختلف السياسات العاجزة والقاصرة دائماً باسم شرعيات شعبية، جرى ابتذالها لتصبح شرعية السلطة وأشباه الأنظمة" .
أول هذه الظواهر وأخطرها، غياب أو اغتصاب الديمقراطية الاجتماعية – السياسية، الأمر الذي أدى لكبح تطور المجتمع وتدمير روح المبادرة والإبداع فيه. أما الظاهرة الثانية فهي، فقدان الرؤية السياسية/ الفكرية/ الاجتماعية وتشوشها. الظاهرة الثالثة – حسب الوثيقة- فهي تتعلق بـ" هبوط المعايير والاستخفاف بالعقل، مما قاد إلى حالة من الفوضى الفكرية وفقدان الرؤية. هذا الواقع أدى إلى تفشي الشعبوية والبراغماتية المبتذلة في محاولات لا تتوقف لتبرير سياسات القيادة وإخفاقاتها. عمق من هذا المأزق غياب البيئة والممارسة الديمقراطية، وانتشار الفكر الفئوي على حساب الفكر الوطني، وهبوط معايير النقد العلمي وما يستدعيه من فعالية ونزاهة فكرية وأخلاقية" .
إن جوهر الفكرة التي تسعى الوثيقة الوصول إليها من وراء تعداد الظواهر،" يتمثل في مترتبات الديناميات السلبية التي تولدت عن ممارسة سياسية – اجتماعية قاصرة وانفعالية، أدت إلى استنزاف وتآكل داخلي، وتبديد مذهل مادي ومعنوي، سياسي وفكري، وفي المحصلة، هبوط متواصل في مستوى الأداء السياسي الكفاحي والاجتماعي والفكري، هذا الأمر، عمق الاختلال في موازين القوى بين طرفي الصراع، وهذا بدوره أفسح المجال لقيام الطرف النقيض بتثمير الاختلال على شكل انتصارات سياسية وفكرية وميدانية.
وقد "تجلى الاختلال التراكمي في موازين القوى، فلسطينياً على شكل أزمة بنيوية شاملة تضرب في كل اتجاه. وهكذا وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية بتياراتها المختلفة نفسها، وعلى نحو مفاجئ، وجهاً لوجه أمام أزمة بنيوية طاحنة، رغم وضوح مقدمات الأزمة ومظاهرها الأولية. عبرت الأزمة عن ذاتها عملياً في حقائق أساسية هي :
(1) استسلام القيادة الفلسطينية الرسمية التي ربطت خياراتها السياسية بالمشروع الأمريكي – الإسرائيلي ودخلت المفاوضات السياسية بروح وعقلية الهزيمة.
(2) أزمة قوى المعارضة، التي لم تتمكن من كبح اندفاعه القيادة الفلسطينية الرسمية، كما لم تستطع بناء ذاتها على أساس رؤية جديدة تشمل أدائها الفكري والسياسي والتنظيمي ارتباطاً بتحولات الصراع.
ما تقدم، "يفرض استحقاق البديل الوطني الديمقراطي وشروط قيامه بصورة قسرية. نقول بصورة قسرية، حيث إننا أمام لوحة تحكمها تناقضات الصراع التاريخية والراهنة أو التي لا تزال في رحم المستقبل. لوحة تعبر عن شمولية الصراع وتاريخيته. صراع يديره الطرف الآخر، بكل ما يملك من قوة وبراعة مستفيداً من آخر ما وصلت إليه البشرية من منجزات العلم والتكنولوجيا والإدارة على مختلف المستويات" .
غير أن لوحة الصراع تلك بقدر ما تحمل، في هذه المرحلة، من مظاهر التراجع والانكفاء، فإنها تحمل أيضاً مظاهر التأزم والتحفز والمقاومة فلسطينياً وعربياً.
هذا الواقع يعني حكماً أن المجتمع، وفي سياق ديناميات المقاومة، سوف يقوم بخلق أدواته وقواه القادرة على تلبية شروط الصراع الموضوعية والذاتية، وليس الشروط الموهومة أو المتخيلة التي لا تتخطى عادة مقاسات الأفراد أو التنظيمات التي تختزل الشعب في ذاتها، وتختصر الصراع في إسقاطاتها ونظراتها القاصرة.
تضيف الوثيقة أن " طبيعة الصراع الموضوعية، والذي نجد انعكاساً له في استمرار مظاهر الصراع، واحتدام التناقضات مع العدو، تشير على أن الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، هي تعبير عن قصور وعجز العامل الذاتي عن الارتقاء برؤيته وأدائه وممارسته السياسية والفكرية إلى مستوى استحقاقات وشروط الصراع" .
"هنا تقع مكانة الحالة الديمقراطية في الساحة الفلسطينية والدور التاريخي الذي ينتظرها في هذه المرحلة الدقيقة حيث سيتقرر غير شأن مصيري ، وتملأ المساحة الفارغة التي ما زالت تنتظر إطارها التاريخي، القادر على تقديم الرؤية وتقدير اللحظة والدور والمكانة ومؤهل ليعبر عنهما:".
في ضوء المعنى الدقيق المشار إليه، "يمكن قراءة التحديات والأسئلة الكبرى التي تواجه البديل الوطني الديمقراطي، واستنتاج أننا أمام عملية عميقة وشاملة تستدعي القطع الجدي مع الفكر السائد، الذي يحصر مفهوم البديل الديمقراطي في وحدة بعض الفصائل الديمقراطية الفلسطينية. تكمن معضلة هذا الفكر في أنه لا يذهب بالمسائل إلى جذورها، بل يعيد إلى إنتاج الأزمة، لأنه يعود إلى نفس الذهنية والمفاهيم السياسية التي قادت إلى الأزمة" .
تأسيساً على هذا الفهم، يصبح بالإمكان قراءة تجربة التيار الديمقراطي في الساحة الفلسطينية، وتحديد جذور إخفاقاته وفشله التي تعود في جوهرها إلى تراجعه التراكمي عن تأدية دوره ووظيفته كبديل وطني ديمقراطي بما يمثله من رؤية سياسية واجتماعية وفكرية. إن كلفة إخفاق التيار الديمقراطي في تأدية دوره ووظيفته كبديل وطني ديمقراطي تاريخي لليمين الفلسطيني، تتجاوز حدود هذا التيار، لتصيب في النهاية الشعب الفلسطيني الذي فقد، بسبب إخفاق وعجز التيار الديمقراطي عن تأدية دوره ووظيفته كبديل تاريخي، عنصر التوازن المطلوب في حياته السياسية، تاركاً الفرصة لذهنية التفرد والهيمنة والهبوط في مستوى معايير الأداء ربطاً بغياب الرقيب – المنافس – البديل...الخ .
وبالتالي فإن " البديل الوطني مشروعاً تاريخياً للمستقبل، يقوم على وعي ذاته كرؤية وبنى وممارسة شاملة لعموم المستويات، ويتحرك على أساس محددات الصراع الإستراتيجية، وبالاستناد لما تقدم فإن الحديث عن البديل الوطني الديمقراطي يفقد علميته ومنطقه حين يبتذل إلى مستوى النظر لكارثة أوسلو، والتعامل معها وكأنها نتيجة نهائية أو خيار وحيد ممكن لحركة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وبالتالي التأسيس عليها وكأنها منصة الانطلاق لأية مهام قادمة" .
إن البديل المطلوب، لا بد وأن يكون من خارج أوسلو، لأن غير ذلك يضع النضال الوطني الفلسطيني ضمن دينامية سياسية اجتماعية في منتهى الخطورة، بحكم القيود والهيمنة التي كرستها إسرائيل في الاتفاقات الموقعة وما تفرضه من وقائع مادية ميدانية، الأمر الذي يتيح لها تكريس مصالحها كإطار مرجعي يمكنها من استخدام عناصر تفوقها لتعزيز إنجازاتها من جانب، وقطع الطريق على محاولات النهوض الوطني الفلسطيني من جانب آخر.
بناء على ما تقدم، "فإن مفهوم البديل الوطني الديمقراطي يعني رؤية الواقع ومستجداته وحركته، لخدمة الرؤية الشاملة للصراع الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي. بهذا المعنى، تتضح فكرة القطع مع أوسلو كمنهج وخيار التصرف تجاهه كواقع معطى" .
هكذا تستقيم المعادلة وتنسجم، حيث يتجسد البديل كعملية سياسية - اجتماعية – اقتصادية – ثقافية – كفاحية نقيضه لكل من المشروع المعادي، والفكر اليومي العاجز لليمين الفلسطيني، هذه العملية مشروطة بتوفير الرؤية المنهجية للصراع القادرة على إيجاد التوازن المطلوب في كل مرحلة، وعند كل مستوى من مستويات الصراع، بحيث تترابط أبعاد وركائز البديل الإستراتيجية والتكتيكية.
حيث "تتيح بلورة البديل الوطني الديمقراطي ضمن هذه النواظم إمكانية التعامل مع الواقع المتحرك، وتضمن استمرار القدرة على تجسير المسافات بين عناصر الصراع ومكوناته المتنوعة المتجاذبة والمتنافرة في آن.
يستدعي هذا الواقع "العمل لتخطي الخلل، الذي حكم ممارسة المعارضة السياسية، إلى دور الرافعة وحامل مشروع "البديل الوطني الديمقراطي". بما هو تعبير عن مشروع وطني تحرري اجتماعي ديمقراطي إيجابي في جوهره ومظهره. هكذا يجري تخطي جدار الأزمة الذي جعل مشروع البديل يتماهى مع فكرة المعارضة ورد الفعل على مبادرات وسياسات الأطراف الأخرى" .
إن تخطي الأزمة التي تعاني منها القوى الديمقراطية الفلسطينية، مشروط بقدرتها على إعادة بناء ذاتها، وفق استحقاقات البديل الوطني الديمقراطي، والانتقال بالعملية من المستوى الفصائلي الضيق إلى المستوى الوطني الشامل، ومن المستوى التنظيمي المحدود إلى مستوى فهمها كعملية بنائية ترتقي عبرها القوى الديمقراطية أو التيار الديمقراطي من مستوى الفعل المحدود لبعض القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية إلى مستوى الحالة الديمقراطية الشاملة لعموم الشعب الفلسطيني، التي بدونها يستحيل ترجمة مفهوم البديل الوطني الديمقراطي .
أما بالنسبة لموقف الجبهة من قوى الإسلام السياسي ، فإن "الوثيقة تؤكد على ما تضمنته وثيقة الكونفرنس الوطني الأول تجاه قوى الإسلام السياسي انطلاقاً من أن تلك الرؤية لا تزال تحتفظ بصحتها، وتضيف الوثيقة "إن قوى الإسلام السياسي هي مكون طبيعي من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية على الرغم من أية خصوصيات تمثلها، وعلى هذا الصعيد يهمنا أن نؤكد بأن الجبهة الشعبية ترى في تلك القوى إحدى دوائر الفعل والتفاعل الوطني، وذلك على قاعدة الوحدة والصراع كقانون يجب أن ينظم العلاقات بين القوى الوطنية في أوساط الشعب الفلسطيني" .
وهنا لا يجوز أن توضع علامة مساواة بين قوى الإسلام السياسي بما هي قوى وأحزاب وتنظيمات لها برامج ومواقف وممارسات محددة، وبين الإسلام كدين وعقيدة وفضاء فكري وحضاري لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية.
حيث أننا بهذا المعنى "فإننا جزء من هذا الفضاء حيث يغدو التراث والحضارة الإسلامية مكوناً عضوياً من مكونات خصوصيتنا الثقافية. أما بالنسبة لعلاقة الجبهة مع قوى الإسلام السياسي فهي "علاقة متحركة وجدلية تبعاً لتناقضات الواقع السياسية والاجتماعية، ومع ذلك فهي تمتاز في هذه المرحلة بتقاطع أعلى على الصعيد السياسي حيث نقف والقوى الإسلامية على أرضية المعارضة والمواجهة لمشاريع التسوية الأمريكية – الإسرائيلية ، بينما على الصعيد الاجتماعي فإن التعارض والتناقض أكثر حضوراً، سواء على صعيد فهم الديمقراطية كقيم وآليات وممارسة لبناء المجتمع ومؤسساته أو تجاه القضايا الاجتماعية الرئيسية حرية المرأة، حرية الاعتقاد وحرية التعبير والاجتهاد وحرية الإبداع الثقافي وقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية بمختلف تجلياتها" .
وفي ضوء ما تقدم فإن العلاقة مع القوى الإسلامية هي علاقة تقوم على الاحترام وتحشيد الطاقات والجهود في مواجهة التناقض الرئيسي مع الاحتلال والشرائح المتحالفة معه من جانب، وعلى الصراع الديمقراطي فيما يتعلق بالتناقضات الاجتماعية والثقافية وما تعكسه من برامج وممارسات وقيم.
إن هذا الفهم وهذه الرؤية لا يتناقضان مع خيار الجبهة لبناء البديل الوطني الديمقراطي، بل أن صياغة العلاقة مع مختلف القوى في الساحة الفلسطينية بما فيها قوى الإسلام السياسي على قاعدة الوضوح هو شرط واستحقاق دائم على القوى الديمقراطية أن تتعامل معه وتستجيب لأسئلته وإشكالاته بصورة خلاقة، وإلا ستفقد السياسة التحالفية عوامل نجاحها وتأثيرها.
ثالثاً : الوثيقة التنظيمية : "نحو رؤية تنظيمية جديدة"
تبدأ الوثيقة بالتأكيد على أن التعامل مع أي رؤية "كاتجاهات سياسية فكرية ناظمة يؤمن الأداة المعرفية و المنهجية الكفيلة بالتعامل مع حركة الواقع و أسئلته التفصيلية التي لا حصر لها ، بطريقة أمينة ، و يسلح الهيئات التنفيذية بما يشبه الخيط الناظم الذي يستخدمه البناءون المهرة ليتمكنوا من التعامل مع كل حجر و مع كل مدماك بصورة خاصة و بارعة وفقاً لحجمه و مواصفاته ، و لكن على أساس دوره و مكانته ووظيفته في البناء الداخلي الشامل الذي يؤشر إليه الخيط الناظم –الرؤية المنهجية بصورة دائمة" .
وبالتالي فإن الانضباط لهذه الشروط " يحمي الحزب من الغرق في التفاصيل ويرتقي به من حزب يعالج مسائل أقل أهمية و يعبر عن حالة إحباط و يأس أو تصفية حسابات إلى حزب يسوده تفاؤل بالنهوض ، و يتصرف بمسؤولية وطنية ، وانعطافة نوعية لتحرير العقل و إطلاق أوسع فعالية تنظيمية و فكرية" .
وهنا تؤكد الجبهة الشعبية على ضرورة الربط الجدلي بين المستويين السياسي والتنظيمي ، حيث تشير الوثيقة التنظيمية إلى " أننا قد حددنا في الوثيقة السياسية نواظم وركائز ومحددات الرؤية السياسية للمرحلة الراهنة ، غير أن هذه تبقى تعاني من نقص جوهري إذا ما توقفت عند هذا المستوى ، يعود ذلك إلى أن الرؤية السياسية مهما كانت جميلة و سليمة ، تبقى مجرد كلام إذا لم تتجلَّ في بنى و مؤسسات و هيئات و منهجيات و آليات و ممارسة تنظيمية ، هي جزء عضوي و مكون داخلي أصيل من أية رؤية شاملة . و بهذا المعنى ، فإن تناغم الرؤية السياسية –الفكرية و الرؤية التنظيمية ، هو بمثابة شرط لازم للعمل و النجاح" .
وبالمقابل " فإن الاختلال في الرؤية السياسية الفكرية ، إنما يعكس اختلالاً جذرياً في رؤية الواقع و شروط الصراع و محدداته ، و أما اختلال الرؤية التنظيمية ، فإنه يعكس وجود عدم تناسب خطر بين الرؤية التنظيمية و بين الرؤية السياسية –الفكرية، أي بين السياسة و الهدف و بين أداة تحقيقها . وعليه ، يجب الانتباه كي لا تقع الرؤية السياسية –الفكرية في وهم التماسك المنطقي الشكلي الذي قد يبدو بناءً جميلاً، و لكنه لسوء الحظ ليس البناء المطلوب و الملائم لاستحقاقات الواقع ، وهذا لا يعني تغيب الانجازات التي تحققت في سياق النضال الوطني الفلسطيني ، ولكننا نتحدث عن واقع مأزوم ، يحتاج لجرأة عالية لتخطي دوائر المراوحة و التذمر و محاولات تبرير الفشل ، باتجاه التأسيس لعمليات نهوض لا بد منها ، كوننا كشعب و قوى وطنية لا نزال ، على ما يبدو ، في جولات الصراع الأولى رغم كل عقود النضال التي انقضت حتى الآن" .
يشترط هذا حكماً ، -كما توضح الوثيقة التنظيمية للمؤتمر السادس- "ضرورة توفير مجموعة محددات و نواظم ، دون توفرها ستبقى العملية أسيرة العفوية و ضيق الأفق . و هنا تطرح الوثيقة ثلاثة محددات رئيسية هي " :
أولاً : إن وعي الأزمة و الاعتراف بها دلالة حيوية و صحة ، و ليس دليل عجز أو إحباط ، كما أنه دليل مقاومة و صفاء و ثقة بالذات و بالمشروع الوطني ، هو بمثابة الشرط اللازم لإنقاذ التنظيم من خطر مميت إذا ما واصل التصرف ، و كأنه في أحسن حال . إنه و الحال هذه ، بالضبط مثل مريض يعطي بعدم وعيه الفرصة للمرض ليواصل الفتك بالجسد و الروح ببساطة و سهولة . أما وعيه و عدم الاعتراف به فهو بمثابة انتحار .
إن بروز و مواجهة الأزمات لا تتم مرة واحدة و إلى الأبد . إنها عملية مستمرة ، كون عناصر الأزمة تتولد في كل لحظة و في كل مرحلة . فحتى في أرقى مراحل الحزب حيوية و نشاطاً و قوة هناك بذور ما لأزمة قادمة .
و بناءً عليه ، فإن خير ضمانة لحل الأزمات ، بل و عدم نشوئها أصلاً ، في حفظ التوازن دائماً بين حركة الواقع و حركة الرؤية و حركة الأداة .
وعي هذه الحقيقة و العمل بموجبها هو ضمانة أساسية لتجنيب الحزب دفع كلفة باهظة سياسياً و معنوياً و مادياً ، كان بالإمكان تجنبها بثمن زهيد وهو التصحيح في الوقت المناسب و على النحو المناسب . أو بكلمات أخرى يكثفها مأثورنا الشعبي : درهم وقاية خير من قنطار علاج.
ثانياً : ضرورة التمييز أثناء مواجهة المعضلات و القصورات التنظيمية ، بين النقد العلمي و القراءة العميقة لجذور تلك المعضلات الفكرية و السياسية و العملية ، و عمليات الندب و النواح. يؤسس المظهر الأول لديناميات تطور و نهوض ، و يؤشر المظهر الثاني لبؤس معرفي و معنوي، و يقود في حال استفحاله إلى تبديد المزيد من الطاقات و الاستنزاف الداخلي ، و تعطيل العقل و إشاعة مناخ من اليأس و الإحباط .
وهنا يرى المؤتمر أن التأكيد على التأهيل النظري للكادر كفيل بتحصين بنيته الفكرية و تصليب تماسكه الداخلي بما يخدم أجواء مهيأة لعملية النهوض و التطور .
ثالثاً: وعي العملية التنظيمية و ما يرافقها من معضلات على أنها عملية وطنية و اجتماعية موضوعية و تاريخية ، إذ يمثل وعي هذه الحقيقة ، أهمية قصوى كونه يرتقي بالمسألة التنظيمية من مجرد عملية فنية إدارية و بعض الآليات و القواعد و النصوص الجامدة ، التي يتعامل معها البعض و كأنها خاصة به و بعاداته و مستواه ، إلى مستوى اعتبارها انعكاساً كثيفاً للرؤية الاجتماعية و الفكرية .
هكذا يمتلك الحزب المواصفات المطلوبة التي تكفل دوره الإيجابي و ممارسته ، الطبيعية داخل التنظيم الأشمل و الأعقد و الأغنى ، أي المجتمع .
بهذا الفهم –كما تضيف الوثيقة- يتم إنقاذ العملية التنظيمية من محاولات الهبوط بها و كأنها صراع أشخاص يمارسون عبرها هواياتهم ، إذ "أن الحقيقة التي يجب أن يتم احترامها و بحزم ، دائماً و أبداً هي أن الحزب في نهاية المطاف و بداياته، عقد اجتماعي / سياسي طوعي يسعى لتحقيق مشروع وطني تحرري اجتماعي شامل ، لا يجوز الإخلال بأي من شروطه ، و لعل هذا بين عوامل أخرى هو سبب ما لدينا من قناعة أكيدة بأن الجبهة الشعبية تملك ممكنات مغادرة الأزمة باتجاه النهوض و الانطلاق لتأدية دورها ووظيفتها الوطنية و الاجتماعية" .
وفي هذا السياق تقر الوثيقة بحجم الثغرات والأخطاء في مساحة السنوات المنصرمة الفاصلة بين مؤتمرين التي لم تستثمر كما يجب ، بل إن تلك السنوات "كانت حافلة بالثغرات والأخطاء ، وبتواصل ضغط عناصر وتجليات الأزمة الوطنية والداخلية. غير أن ذلك لم يحرف الاتجاه العام الذي بدأ بطور الاعتراف بالأزمة، مروراً بسيادة مظاهر النقد، ثم الانتقال لطور وعي الأزمة وقراءتها العميقة من خلال عمليات ووقفات ووثائق مراجعة شاملة، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تمثل عملية التهيؤ للدخول في ديناميات النهوض" .
وتضيف الوثيقة "لقد كانت المرحلة الراهنة اختباراً هائلاً لقدرة الجبهة الشعبية و سواها على الصمود ، و كشفت و لا تزال ، الفوارق بين معادن القوى و مدى أصالتها، و بنفس القدر على مدى مخزونها الديمقراطي و الفكري و الأخلاقي و النضالي و على مستوى الأفراد و الكادرات المنضويين في صفوفها" .
"و بناءً عليه ، تصبح الجبهة الشعبية ، ارتباطاً بالرؤية التنظيمية ، أمام جملة استحقاقات و اشتراطات بعضها يعود للمرحلة السابقة ، و معظمها يتجه للواقع و المستقبل . يتمثل أهم استحقاق ناظم على الصعيد التنظيمي في قدرة الجبهة الشعبية على تطوير بناها و مؤسساتها و أدائها ، بما يلبي الوظيفة و الدور التاريخي الذي يجب أن تقوم به" .
إن ترجمة الاستحقاق المشار إليه ، ليس بالأمر السهل كما قد يتخيل البعض، ذلك أنه يصطدم بالعادات و التقاليد و البنى التنظيمية التي تأسست تاريخياً ، فأصبحت لها قوة دفع ذاتية ، تغذيها و باستمرار روافد لا حصر لها .
ولذا ، يجب أن تتم العملية وعياً و ممارسة بوصفها صيرورة تقوم بوظيفتها و دورها المحدد ، من خلال عمليات تركيم و إزاحات متتالية تصل إلى لحظة التقدم النوعي بعد تأمين مقدماتها :-
أولاً : تأمين الديمقراطية الداخلية ، التي تعني توفير البيئة القادرة على استيعاب مجمل العمليات التنظيمية الداخلية ، بحيث تغدو الديمقراطية نظام حياة . هكذا لا تكون الديمقراطية مناسبة ليرقص كل من يشاء وفقاً لفكرة فوضوية خطرة "أنا حر" . هنا لا بد من التشديد على أن لا أحد ، مهما كان ، هو حر بالمعنى المطلق ، لأن الديمقراطية مشروطة بالوعي و مصلحة الجماعة ، مشروطة بالنواظم المنهجية الملاءمة . الديمقراطية التي تحمي ذاتها من الفردية و الأنانية و الانغلاق و في ذات الوقت من الابتذال و الانفلات و إلحاق الضرر بالجماعة . ما لم يتوفر هذا الشرط التأسيسي فإن كل حديث عن "الديمقراطية الجماعية" مجرد لغو أو لهو .
ثانياً : تؤمن البيئة الديمقراطية المناخ المناسب لإطلاق أوسع فاعلية فكرية في الحزب .
ثالثاً : توفر البيئة الديمقراطية و الفاعلية الفكرية الحل المناسب لإدارة تناقضات الحزب الداخلية بهدف إنضاجها و حلها و توظيفها إيجابياً .
فالتنوع و صراع الأفكار هو مصدر إثراء و إغناء طبيعي لمن يقدرها و يعرف كيف يستفيد منها ، لأن التطابق و التماثل لا يعني سوى الموت و الركود الذي يقود إلى دكتاتورية الرأي الواحد، فيتحول الحزب إلى قوى طاردة بدل أن يكون مركزاً جاذباً للطاقات الاجتماعية .
وعن كيفية توفير شروط الفعالية القصوى والوحدة الصلبة، تضع الوثيقة التنظيمية سبيلاً لذلك عبر " توفير البيئة الديمقراطية و ترجماتها الملموسة في معايير و نواظم وآليات ، إلى جانب إطلاق الفعالية الفكرية ، ووعي التناقضات الداخلية ، و احترام الآراء و التعامل معها كعنصر قوة للارتقاء بدور الحزب و رؤيته و ممارسته ، و احترام علاقات الخاص و العام ، تؤمن الأسس و الشروط الضرورية ، لتركيز وحدة الحزب على بنى و نواظم و آليات و قناعات عميقة ، و فعالية سياسية و فكرية متواصلة" .
هكذا "تتخطى وحدة الحزب مصيدة توليف المواقف و توازنات القوى و الكتل و تمويه التناقضات و سياسة التراضي و مزاج الأفراد و الانفعال . إن وضع الحزب تحت رحمة هذه المناهج و العقلية ، يؤدي بصورة حتمية إلى هبوط مريع في الأداء و المعايير، هذه العملية السلبية تفتح الباب واسعاً أمام توليد بيئة ملاءمة للنفاق وفقدان الجرأة و الصراحة و اللعب على التناقضات و شخصنتها ، و فقدان القدرة على المحاسبة و النقد الجريء .و بالحصيلة ، إغراق حياة الحزب و ما تواجهه من أسئلة و معضلات و مهام كبرى فكرياً و سياسياً و كفاحياً في المناورات و الحسابات الأنانية التافهة" .
"وتكمن المأساة في مثل هذه الحالة ، في أن الحزب هو الذي يدفع الثمن من رصيده السياسي و المعنوي ، على شكل فقدان الشروط الضرورية لتأدية دوره ووظيفته السياسية و الاجتماعية على المستوى الوطني ، و يخل ببنيته كعقد اجتماعي . هكذا تصل الوحدة الشكلية إلى نهايتها المحزنة ، على شكل نزف داخلي مستمر ، و فقدان للثقة و الهيبة داخلياً و خارجياً وصولاً إلى تصدع البناء الحزبي بالكامل ، و في أحسن الأحوال ، تحوله لتنظيم هامشي و تابع ، يتخطاه الواقع و التاريخ عاجلاً أم آجلاً" .
وبالتالي "فإن إنقاذ الحزب ووحدته من مثل هذه المصيدة المميتة ، يأتي من خلال عملية واعية لأقصى حد بإطلاق دينامية معاكسة و نقيضة للأول تماماً" .
خلاصة القول ، -كما تضيف الوثيقة- أن وحدة الحزب الحقيقية ، إنما تأتي كحصيلة إجمالية لفاعليته القصوى سياسياً و فكرياً و كفاحياً و هذا غير ممكن ، إلا إذا تم الارتقاء دوماً بالممارسة الديمقراطية و بالمعايير التي تحكم العمليات التنظيمية المتنوعة ، لتصبح بمستوى الرؤية السياسية، التي بدورها ترتبط بمعايير الصراع الأشمل و أداء الطرف النقيض .
على أن الوصول بالعملية لهذا المستوى الراقي يتوقف، "على مدى الانضباط للقيم و الممارسة الديمقراطية ، و احترام العقل الجمعي و الفردي ووعي التناقضات الداخلية كمظهر طبيعي و شرط للتطور و الارتقاء "، وفي سياق هذه العملية تتراجع عقلية التوليف و تمويه التناقضات و تفقد مراكز القوى –بما هي تعبير سلبي يتمظهر على شكل أحزاب صغيرة في إطار الحزب الأشمل- البيئة التي تحتضنها و التربة التي تغذيها" .
وهنا تطالب الوثيقة بوجوب "التمييز جيداً بين مفهوم مراكز القوى السلبي كظاهرة تحتضن الضعف و العجز لتأمين الحماية لذاتها ، و بين الاصطفافات الطبيعية ، التي تظهر في سياق العملية الإيجابية القائمة على إطلاق الفعالية الحزبية ضمن الشروط الناظمة التي أتينا على ذكرها . بهذا المعنى نفهم مقولات من نوع "في التناقض حياة" ، "التناقض جوهر الديالكتيك" ، هكذا يتاح المجال لقانون التناقض كي يفعل فعله في الحزب بحرية كاملة كمدخل للتطور و التقدم" .
وفي هذا السياق تستنتج الوثيقة "أن وحدة الحزب المتجسدة في بنى و نظم و هيئات و أفراد و ممارسة ، يجب أن تتناغم مع الرؤية السياسية-الاجتماعية ، وإن عملية التناغم تلك شرط ناظم لتطور الحزب و إخراجه من مأزق الاستنزاف الداخلي، ذلك أن "العمليات المشار إليها هي بمثابة الصيرورات التي لا تتوقف ، وأي ممارسة أو تدخل سلبي لحسبها تحت سقف معايير هابطة، يعني التأسيس لديناميات الأزمة، وبالتالي فإن وعي واستيعاب تلك العمليات بصورة صحيحة، مشروط بمستوى كفاءة الهيئات والأفراد والممارسة، وتبعاً لذلك يرتبط مستوى الكفاءة بشرط القدرة على مواكبة واستيعاب تطور الواقع المادي والعملي والمعرفي. هذا ينقل النقاش لعنوان آخر من عناوين المسألة التنظيمية، نقصد عملية التجديد الحزبي" .
وحول مفهوم التحول والتجدد أو الضمور والتلاشي ترى الوثيقة أن أي نجاح أو إخفاق لأي حزب ، يتقرر بمدى قدرته الدائمة و المتجددة على مواكبة حركة المجتمع المعقدة و المتشابكة لأبعد حد ، و بالتالي القدرة على تلبية مصالح و أهداف ذلك المجتمع ، في كل مستوى و مرحلة " .
"فالحزب ليس فوق المجتمع أو خارجه أو تحته ، بل هو مكون داخلي أصيل من مكونات المجتمع ، و ميزته الحاسمة تتجلى في وعيه لدوره ووظيفته كجسم عالي التنظيم و الأداء ، لصالح الأصل / المجتمع ، سواء على الصعيد البنائي الداخلي ، أو على صعيد الصراع ضد عدو قومي كالعدو الصهيوني" .
إن "نجاح الحزب في تأدية وظيفته و دوره ، يوفر شرطاً حاسماً ليصبح الحزب دائرة جذب ، تقوم على القناعة و الثقة و الاحترام من قبل أوسع الطبقات و الفعاليات و القوى الشعبية، هذا يفرض ضرورة التحرك الدائم لتلبية استحقاقات عملية الجذب تلك ، بما تعنيه و تحمله هذه العملية من تناقضات جديدة ، وأسئلة جديدة ، و مهام جديدة ، وصولاً للحظة القطع الثوري " .
"هنا يجب الانتباه لمخاطر جدية ترافق هذه العملية الحيوية تتمثل في وهم التسرع و القفز عن تشابكات الواقع و بالتالي إقحام الحزب و المجتمع في عملية صراع داخلي مبكرة " .
ثمة خطر آخر هو ، استمرار العمل بنفس المعايير و الأداء و الأدوات السابقة ، الأمر الذي يقود الحزب إلى دائرة العجز عن استيعاب حركة الواقع ، و بالتالي إضاعة فرص ثمينة لتجديد بنيته و رؤيته و ممارسته، يتأتى هذا الخطر الجدي ، عن عقلية قاصرة و نرجسية ، تفسر نجاح الحزب و تستخدمه باعتباره نجاحاً شخصياً ، الأمر الذي يعني السقوط في وهم أن البنية و القيادة و الممارسة و الآليات التي أتى النجاح في ظلها في لحظة أو مرحلة ما ، صالحة لكل زمان و مكان. إن الوقوع في أسر هذا المحظور الخطر ، يؤشر على خلل منهجي و معرفي تجاه بديهيتين هما :
1. إغفال مبدأ التجديد كخط ناظم يعبر موضوعياً عن مبدأ تعاقب الأجيال بصورة طبيعية في المجتمع و الحزب . إن إغفال هذا المبدأ و عدم وعيه بعمق ، ينقل فعله من ديناميات التركيم و التكامل و التواصل بالمعنى الإيجابي ، إلى ديناميات الصراع و الصدام .
2. القفز عن بديهية أن المجتمع يملك طاقات و كفاءات مبدعة أكثر من كل الأحزاب السياسية مجتمعة . يقود إغفال هذه الحقيقة إلى البيروقراطية و علاقة فوقية مع المجتمع.
هكذا تصل الوثيقة إلى نتيجة مفادها " إن عملية التجديد في الحزب ذات طابع موضوعي ، مستمرة و متواصلة باستمرار و شاملة لكل الجوانب. يستدعي حماية عملية التجديد من مصيدة الشكلية ، و الفهم الضيق ، الذي يحصرها في الحراك و التبادل الحزبي الداخلي ، و إعادة النظر الشكلية في النصوص بصورة مجردة ، إلى مستوى التعامل معها ، مفهوماً و ممارسة ، كعملية تبادل فعالة بين الحزب و المجتمع . إن التجديد الحقيقي يكون بإضافة طاقات جديدة، لم تكن أصلاً موجودة داخل الأطر الحزبية . هذا يعني بالضرورة ، الارتقاء بمعايير التجديد لتصبح متناغمة مع أفضل ما يضمه و يختزنه المجتمع من كفاءات ، و إلا سيجد الحزب نفسه في لحظة معينة أمام مشكلة جدية ، تتجلى في تراجع مستوى معايير قيادته و كوادره و أعضائه و بناه و ممارسته " .
وبناء على ذلك، كما تضيف الوثيقة " فإن عملية التجديد بقدر ما هي عملية موضوعية تعكس قوانين الحياة ، بقدر ما يجب أن تتم في الحزب بصورة واعية ، و إلا ستتحول إلى عملية عفوية ، تجري تحت ضغط الأزمات و الأحداث مع ما يرافق ذلك من نبذ للكفاءات ، و نزيف داخلي ، و فقدان للهيبة و الثقة على أكثر من مستوى، لأن الأمر لن يقف عند حدود التذمرات الداخلية والاستنكاف، بل –وهذا هو الأخطر- سيتعداها إلى تآكل الحزب كمشروع سياسي –اجتماعي- تحرري. وتبعاً لذلك، فقدان المبادرة، والتخلف عن صيرورات المجتمع، واستحقاقات الصراع الأشمل" .
"إن عملية التجديد الحزبي تشمل أيضاً التجديد على صعيد الرؤية السياسية و الفكرية و الاجتماعية ، و البنى و الأطر و البرامج ، بصورة مستمرة و متواصلة ارتباطاً بحركة الواقع و شروط الصراع ، و الأهداف الوطنية و القومية ، و تبعاً لذلك التجديد في وظيفة الحزب و دوره" .
إن عملية التجديد من ناحية المبدأ ، هي عملية موضوعية ، لكنها يجب أن تتم في الحزب بصورة واعية ، هذا يعني ، أن هيئات الحزب القيادية ، يجب أن تملك الوعي و الكفاءة و الصبر لإدارة هذه العملية بنجاح و إنقاذها من مزاجية الأفراد ،ومما يتراكم من هبوط في المعايير مع مرور الزمن، وما تفرضه عملية احتدام الصراع من إعادة نظر في المعايير بصورة متواصلة، وإلا ستتخلف عن مواكبة الأحداث واستحقاقات المشروع بجانبيه التحرري والاجتماعي، وهو الأمر الذي يقود لتأسيس ديناميات كبح داخلية حفاظاً على سقوف الوعي والأداء والبني القائمة" .
وترى الوثيقة بحق " أن نجاح القيادة في إدارة هذه العملية و إطلاق فعالياتها لأقصى مدى ، هو معيار عمق وعيها لدورها ووظيفتها في إطار الحزب كمشروع وطني شامل و ممتد و متواصل و متجدد باستمرار، كظاهرة اجتماعية عمرها من عمر المجتمع و ليس الأفراد، هذا الأمر يعني حكماً أن ثقل دور القيادة و مكانتها في صفحات تاريخ الحزب و الوطن ، مرتبطان بقدرتها على شروط استمرار الحزب و تطوره ، ارتباطاً بدوره ووظيفته كحامل لرؤية سياسية-اجتماعية متطورة باستمرار تبعاً لتطور الواقع الموضوعي والذاتي، وتبعاً لتطور الأهداف من مرحلة لأخرى" .
حيث تؤكد الوثيقة على أن هذا الدور المطلوب من الهيئات القيادية مرهون بعمق وعي هذه الهيئات، إن وعي الهيئات القيادية أفراداً و جماعة يعني أن تقوم بتوفير شروط ارتقائها بذاتها باستمرار ، عبر التغذية المستمرة للعقل ، و التجديد المستمر للذات بتوظيف كفاءات جديدة و إخلاء من لم يعد لديه القدرة على التقدم ، أو من تثبت الممارسة عجزه و تخلفه سواء بحكم عوامل موضوعية أو ذاتية". لان القيادة –كما توضح الوثيقة – " تحتل، عبر هذه العملية و النجاح في تأمين شروطها ، دورها و مكانتها في تاريخ الحزب و الشعب و لا تختلسه اختلاساً في غفلة من الحزب أو الزمن، لأنها تستعيد في هذا المجال مضامين وأبعاد الفكرة التي أطلقتها الجبهة الشعبية في مرحلة متقدمة، من تاريخها ألا وهي : "مبدأ التحول"، بما هو عملية شاملة ومتواصلة دائماً وأبداً ، وحيث يتماهى التحول تماماً مع مبدأ التجديد الذي أتينا على ركائزه ونواظمه الموضوعية والذاتية" .
أخيراً تستذكر الوثيقة موضوعة التحول – كحزب ماركسي- بقولها " إن إعادة الاعتبار للتحول، بما هو عملية تجديد مستمر، تحفظ للجبهة الشعبية تاريخها وحقوقها، وتسلحها بمبدأ أن يكون التجدد جوهر حياة الحزب ومصدر شبابه. إن التاريخ مدعاة للفخر، ولكن الفخر الأكبر هو في الاستمرار بالمستقبل عبر عطاء متواصل وكثيف ، وهذا غير ممكن إلا إذا واصل الحزب تجدده بصورة دائمة كحامل لمصالح وأهداف الشعب الوطنية والاجتماعية العليا، ليس في مرحلة ما ، بل في كل المراحل. إن شرط ذلك، وكما هو معروف، تحضير الذات، وعبر التجدد، للمستقبل .
وتضيف الوثيقة مخاطبة كافة الرفاق في الجبهة " إن واجبنا جميعاً ، سواء في هيئات الحزب و منظماته و أعضائه أو أصحاب فكر و مسؤولية وطنية الارتقاء لمستوى هذه المهمة الإنهاضية الكبرى ، بوصفها شأناً وطنياً قبل أن تكون مسألة حزبية ، بهذا نؤسس جميعاً في الداخل و الخارج فكرياً و عملياً ، للانتقال من مرحلة الأزمة و المراوحة و الإحباط و اليأس و التذمر إلى مرحلة النهوض عبر تلبية اشتراطاتها و استحقاقاتها التي نحن على ثقة أننا قادرون عليها ، فيما لو قمنا بما نستطيع .كما أننا على ثقة أن الحزب يملك ممكنات النهوض ، على الرغم من كل الأثقال التي يعاني منها و التحديات الوطنية الكبرى التي تواجهه ، و مفاعيل الأزمة التي يعيشها" .
أخيراً ، يهمنا أن نشير إلى أن عملية التحول عاشت نوعاً من المفارقة او الثنائية المتناقضة ، فالجبهة الشعبية وعلى الرغم من توجهها الماركسي الصادق ، إلا أنها لم تستطع الموائمة أو التفاعل الايجابي بين هويتها الماركسية المعلنة وفق وثائق مؤتمراتها ، وبين سياساتها وبناها التنظيمية التي لم تستطع توفير الأسس المطلوبة لعملية التفاعل أو التزاوج بين النظرية من ناحية وتلك البنى التنظيمية من ناحية ثانية، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة الذهنية السائدة في معظم الهيئات والكوادر القيادية المقررة في الجبهة في تلك المرحلة ، والتي ظلت كما يبدوا أسيرة لماضيها ، خاصة فيما يتعلق بالتزامها بالمفاهيم القومية التقليدية و عدم قدرتها في فهم واستيعاب طروحات النظرية الماركسية ومنهجها ، إلى جانب استمرار ظاهرة الخلط وعدم التمييز بين الأهداف الاستراتيجية الكبرى والأهداف التكتيكية، وبالتالي الانشداد في أغلب المحطات لما هو استراتيجي ، ما يعني جموداً على تلك المواقف بعيداً عن ضرورات الحركة المطلوبة - في تلك المرحلة وكل المراحل – ضد منطق الثبات مما أثر على فعالية الجبهة وأدى في بعض الاحيان إلى عزلتها، إلى جانب أن عدداً من القرارات أو الممارسات التي أكدت أن تجربة الجبهة التاريخية –واللاحقة فيما بعد- لم تخلُ من أخطاء على حد قول المؤسس الراحل د.جورج حبش حينما أكد على "أننا لم نستعمل عقلنا كما يجب، كنا نقاتل بسواعدنا أولاً وبقلوبنا ثانياً ... أما العقل فلم نستعمله بما فيه الكفاية" ، وفي قوله أيضاً "إن إلتزام الجبهة بالفكر الماركسي لم يمنع وقوعها في بعض الأخطاء والفهم الميكانيكي للمسائل" ، ولذلك فإن دروس وعبر مؤتمرات الجبهة وقراراتها الخاصة بموضوع التحول ، تتجلى في ضرورة النظر إلى عملية التحول ، كعملية جدلية في إطار المنظومة الفكرية والسياسية والتنظيمية المتكاملة، بحيث لا يجوز للكادر أن يكتفي فقط بقراءة العديد من الكتب الماركسية دون أن يتعاطى مع القضايا الأخرى ، السياسية والتنظيمية ، والمجتمعية ، والجماهيرية برؤية شمولية مترابطة ، فالقراءة أو التثقيف الحزبي، على أهميته وضرورته وأولويته القصوى ، إلا أنه يظل طريقاً أو بعداً أحادياً لا يمكن ان يحقق تأثيره أو نتائجه المأمولة في عملية التحول بدون التفاعل مع كافة القضايا الأخرى بصورة شاملة ومترابطة ، بحيث يمكن عندئذ الحديث عن تحول النظرية الماركسية إلى منهج عمل ، وإلى سياسات وأوضاع وهياكل تنظيمية متلائمة مع شروط التحول، وبدون ذلك تظل الماركسية مجرد لافتة حمراء أو شعاراً مرفوعاً محكوماً للشكل أو المظاهر بعيداً عن الجوهر الحقيقي الذي توخته أو استهدفته عملية التحول منذ المؤتمر الأول للجبهة .
