محمد أبو الهيجاء: الفدائي لا يزال يؤمن بالبندقيّة

تختزل سيرته معاناة الشعب الفلسطيني. حياته عبارة عن محطات، كل واحدة حكاية يصعب تلخيصها في حديث صحافي
حجم الخط
تختزل سيرته معاناة الشعب الفلسطيني. حياته عبارة عن محطات، كل واحدة حكاية يصعب تلخيصها في حديث صحافي عابر. ساعات طويلة من التسجيل الصوتي، أُنجزت على إيقاع أصوات القذائف المنهمرة بالقرب من مكتب «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وسط مخيم اليرموك في دمشق. مكان بسيط ومتواضع اختاره الفدائي الفلسطيني ليقضي أيامه الأخيرة، بين صور رفاق السلاح والعمل العسكري المقاوم الذي يعتبره السبيل الوحيد لتحرير بلاده حتى اللحظة. في الثالثة من عمره، خرج محمد أبو الهيجاء مع عائلته من حيفا إلى جنين (الضفة الغربية). بعدها، بدأت رحلة اللجوء والتشرد عندما بلغ مدينة إربد الأردنية، وصولاً إلى سوريا حيث قضى طفولته وشبابه حالماً بالعودة: «في مدينة درعا، عمل والدي فلاحاً. انتقلنا بعدها للعيش في منطقة دمر غربي دمشق، بعدما وجد إخوتي الكبار عملاً في مقالع الحجارة، ثم انتقلنا إلى وسط دمشق القديمة، بعدما عمل والدي وإخوتي في «المطبعة الهاشمية»» يقول. قبل دخوله المدرسة، عمل محمد الطفل في بيع الكعك في أزقة دمشق وحاراتها القديمة. «حتى الآن، ما زلت أذكر مقهى «البلور» في منطقة باب توما. كنت أقضي ساعات أتجول بين طاولاته أبيع الكعك لمرتاديه». في «معهد فلسطين» حالياً، تعرّف إلى الشهيد غسان كنفاني الذي كان طالباً في المرحلة الثانوية. درّس كنفاني أبو الهيجاء ورفاقه بعد حصوله على الشهادة الثانوية وقبل سفره إلى الكويت. «تعلمنا من الشهيد غسان المعنى الحقيقي للقضية الفلسطينية، فجّر لدينا نحن أطفال اللجوء مفاهيم المقاومة والكفاح المسلح». بعد سنوات، سيلتقي أبو الهيجاء مجدداً بكنفاني في بيروت، ويعملان معاً في المقاومة مع الشهيد وديع حداد. «كتبت جزءاً من مذكراتي، وأودعتها عنده في مكتبه في بيروت، لكنها اختفت كلّها بعد اغتياله». تأثر كثيراً بشخصية صاحب «رجال في الشمس». بتحريض منه، كان ورفاقه الطلبة يخرجون في تظاهرات احتجاجية في شوارع دمشق. «ما زلت أذكر كلماته حتى اليوم. كنا نغلق الطرقات والمدارس والأسواق بتظاهراتنا». في سنّ الـ15 عاماً دفعته ثوريته إلى الانتساب إلى «حركة القوميين العرب» وفرض على أعضاء الحركة الاعتراف به عضواً أصيلاً، مع أنه لم يتجاوز 18 عاماً بعد! وعندما انطلقت «منظمة التحرير الفلسطينية» التي رفعت شعار الكفاح المسلح، تطوع في «جيش التحرير الفلسطيني» وتابع نشاطه السياسي السري مع «حركة القوميين العرب»، إلى أن انطلقت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»: كان من أوائل المنتسبين إليها. «التقيت الشهيد وديع حداد سراً في درعا، وكان مطلوباً للاستخبارات السورية، وطلب مني مرافقته». بعد نكسة الـ1967، ازدادت لقاءاته مع وديع حداد. حاول الأخير السيطرة على اندفاع الفدائي الشاب الذي تحول إلى نقمة على معلمه بسبب عدم إشراكه في عملية خطف الطائرة الإسرائيلية وتحويل مسارها إلى الجزائر عام 1968. «صدمتني هذا العملية. غضبت من حداد لعدم إشراكي فيها. على أثرها، اتخذت قراري بتنفيذ عملية مشابهة». يصف عمليات المقاومة المسلحة التي شارك فيها على أرض فلسطين بحماسة وتأثر كبيرين، كأنه عاد للتو من سهل بيسان أو طريق طوباس _ جنين. بعد انتظار، وصلت التعليمات التي لطالما انتظرها أبو الهيجاء. رسالة من وديع حداد دعته إلى بيروت مع تسميته باسم حركي هو «عدنان». بعد أشهر من التدريب، نفذ أبو الهيجاء عملية هجوم مسلح على طائرة «العال» الإسرائيلية في مطار مدينة زوريخ في سويسرا عام 1969. «كان هدف العملية هو تعريف العالم إلى حقيقة القضية الفلسطينية أثناء المحاكمة. كانت تعليمات وديع حداد واضحة. حذّرنا من التعرض لأي مدني من المسافرين على الطائرة». أُلقي القبض على أبو الهيجاء مع إبراهيم توفيق والرفيقة أمينة دحبور، بينما استشهد عبد المحسن حسن. «أصعب لحظة عشتها في العملية عندما أطلق الصهيوني مردخاي راخاميم من أمن طائرة «العال»، ثلاث رصاصات على الشهيد عبد المحسن حسن، بعدما سلم سلاحه إلى الأمن السويسري». خلال المحاكمة، احتجّ أبو الهيجاء مع رفاقه على تحيّز القضاة لصالح القاتل راخاميم، واعتبارهم مجرمين وتقديمهم إلى المحاكمة أمام محكمة جنائية. «اتفقت مع رفاقي على مقاطعة المحكمة، وعدم الاعتراف بها، لأننا نحمل قضية سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية، وطالبنا بمعاملتنا كمعتقلين سياسيين. رفضت المحكمة شيكاً مفتوحاً من أجل الإفراج عنا، بينما أفرجت عن مردخاي بكفالة». آلاف رسائل التضامن من العالم وصلت إلى أبو الهيجاء ورفاقه في سجنهم، بعدما صدر الحكم بحبسهم 12 عاماً. لكن العملية حققت أهدافها عندما انتشرت تفاصيل العملية في العالم. «قبل العملية، لم يكن أحد في سويسرا وأوروبا يعرف المعنى الحقيقي لكلمة فلسطين، لكن خلال فترة المحاكمة وما بعدها، أصبح العالم كله يعرف القضية الفلسطينية». طوال فترة السجن التي لم تزد على عام وأشهر، بقي أبو الهيجاء على تواصل مع الحكيم جورج حبش وغسان كنفاني ووديع حداد. «كانوا يسألونني دائماً إن كان الاعتقال لا يزال يحدث الأثر الإعلامي المطلوب أم أنه فقد بريقه». وفي عام 1970، نفذت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» عمليات اختطاف طائرات إلى «مطار الثورة» في الأردن، بهدف تحقيق أهداف مختلفة، منها الإفراج عن أبو الهيجاء ورفاقه. تدخل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في المفاوضات «ووصلت أخيراً مع رفاقي إلى القاهرة برفقة ضباط كبار من الجيش الألماني، على متن طائرة عسكرية لحمايتنا، ولم أحضر جنازة الراحل عبد الناصر الذي توفي قبل ساعات من خروجي من المعتقل». بعد محطة قصيرة في القاهرة، توجه إلى سوريا لإكمال مشوار العمل المقاوم. «رفضت جميع الدول العربية استقبالنا، خوفاً من ردّ فعل الكيان الصهيوني. وحدها سوريا فتحت صدرها لاستقبالنا». يتذكر تفاصيل استقباله في مخيم اليرموك وسط دمشق، ولقاءه الأول بعائلته وزوجته وابنته. لكن إرادة المقاومة قادته سريعاً إلى مكتب «الجبهة الشعبية» في بيروت. شارك مع حداد في التدريب العسكري الخاص، والإعداد لستّ عمليات فدائية في الداخل الفلسطيني، أكثرها شهرة عملية «مطار اللد» (مطار بين غوريون) التي نفذها الفدائيون اليابانيون عام 1972: «أفتخر وأعتز بهذه العملية. ما زلت أذكر وجه غولدا مائير وهي تبكي أثناء تفقدها للقتلى». يرفض أبو الهيجاء حكاية اغتيال وديع حداد مسموماً بالشوكولا كما أشيع. «قرر الكيان الصهيوني اغتيال المسؤولين عن عملية «مطار اللد». اغتيل غسان كنفاني، ونجا بسام أبو شريف، لكن أستبعد أن يكون وديع حداد اغتيل مسموماً بالشوكولا، لكوني أعرفه جيداً وهو لا يحب هذه الحلوى». بعدما أمضى سنوات في الخليج باحثاً عن لقمة العيش، عاد قبل 6 سنوات للعمل في صفوف رفاقه القدامى في الجبهة. يحلم اليوم بتنفيذ عملية فدائية يحمل فيها بندقيته ويسددها نحو عدوه الأوحد. «ما زلت على يقين بحتمية انتصار الشعب الفلسطيني، لكن بفوهة البنادق والرصاص والمقاومة، وليس بالحلول السياسية».